منطلقات الفكر السياسي
صراع حتميَّات أم تكامُل وجودي؟

مروة كريدية[1]

 

إذا أراد الإنسانُ يومًا أن يجد حلاًّ لمشكل السياسية فعليه أن يقاربه من خلال الجماليات، إذ لا يمكن للإنسان أن يشقَّ طريقه نحو الحرية إلا عبر الجمال.
– ف. فون شيلِّر[2]

 

ينظر كثيرٌ من "المحلِّلين" العرب في شكٍّ وريبة إلى الطروح السياسية المتعلقة بالديموقراطية والعَلمانية والحريات الفردية، كما يشكِّكون في صدق انتماء أصحابها ووطنيتهم وقوميتهم وعروبتهم ودينهم. وغالبًا ما تُثار علاماتُ استفهام حول الأفراد الذين يتبنون الفكر العَلماني، لاسيما في منطقة الشرق الأوسط في الوضع الراهن، حيث يوضع هؤلاء الأفراد في خانة "العملاء"! – إذ هم يُصنَّفون على أنهم المسوِّقون للمشروع الأمريكي في المنطقة.

بيد أنَّ حقيقة الإشكالية تقع أصلاً في البنية المؤسِّسة للفكر. فالتاريخ الثقافي للأمم أثبت فشل الأنظمة القائمة على تعميم صورة نموذجية واحدة تُفرَض فرضًا على الجميع وكأنها الترياق الشافي للمشكلات كلِّها، بحيث يتوقف خلاصُ الشعوب على اتِّباع هذا النموذج التوتاليتاري بعينه. فمن الدواعي الأساسية لفشل اللينينية–الستالينية، مثلاً، أنها قبعت ضمن إطار نموذج مرسوم سلفًا، فلم تتحرر منه، ولم تراعِ حكمة التثاقف والتلاقي مع المجتمعات الأخرى، بثقافاتها وأديانها المتنوعة. كذلك المشاريع القومية، العربية منها وغير العربية، فشلت لأنها أرادت أن تكرِّس صورةً نموذجيةً واحدةً عن اجتماع الأقوام في المملكة الإنسانية.

ونحن اليوم أمام نموذج توتاليتاري جديد، يتمثل في إدارة "المحافظين الجدد"، يَفرض على البشرية، باللين تارة وبالحرب تارة أخرى، نموذجًا يتَّكئ فكريًّا على حتمية الصراع من خلال مقولة هنتنغتون في الصِّدام الحضاري، ويتستَّر عمليًّا بستار نشر الديموقراطيات في العالم ومكافحة الإرهاب. فالطروح الثقافية التي فرضتْها إدارةُ المحافظين الجُدُد لم تأخذ بعين الاعتبار تعدد مستويات الواقع؛ كما أغفلت أن الكائن الإنساني هو محور المدنيَّة، وليس العكس؛ ناهيكم أنها فرضت توسُّع المدنيةِ الأمريكيةِ النمط على العالم كلِّه، الأمر الذي أدى بالناس إلى حصد نتائج كارثية. فالمراقب اليوم يجد أن معظم الحركات التي قامت لترسي مفاهيم التعددية الثقافية وغيرها وتؤسِّس للديموقراطية وتفتح الأبواب للتحرر انتهت، من حيث لم تنوِ، إلى بثِّ الفوضى والذعر وإلى نشر البلبلة، من أفغانستان إلى العراق. وهذا الواقع هو ما دفع بغالبية شعوب المنطقة، بطبيعة الحال، إلى رفض الطروح التحررية كافة وإلى وضع أصحابها في دائرة "التخوين" دون تمييز.

تكمن الإشكالية، إذن، في محنة الذهنية الأحادية التي تقلِّص المفاهيم الإنسانية والحضارية برمَّتها إلى بُعد واحد فقط، وتحصر الحلول في نموذج واحد فقط، متجاهلةً سائر الأنماط الثقافية المغايرة، مختزلةً الواقع إلى مستوى واحد، معتمدةً من الثقافة بُعدها الديني فقط، مما وضع الشعوب أمام حتميَّات إيديولوجية قُدِّمَتْ على أنها نظريات ثابتة لا نقاش فيها.

فهنتنغتون أدخل البشرية في خرم إبرة حتمياته الفكرية من خلال إطلاق الأحكام المسبَّقة على الأديان وصراعاتها وتصنيفها، تمامًا كما فعل سيد قطب قبله عندما اختزل الحضارة الإنسانية كلَّها إلى الحضارة الإسلامية، تمامًا كما قرَّر ابن خلدون أن القوَّة المحركة لتاريخ الأمم هي "العصبية" التي لا تعتمل من غير "شوكة"، واضًعا الأمم وطبائع العمران أمام تسلسلات حتمية.

ربما كنَّا نحتاج اليوم إلى فكر جديد يعكس وجوه التنوع الثقافي الهائل للكائن الإنساني، وذلك من خلال "ترجمة" أية ثقافة، في أيِّ عصر من العصور، إلى أية ثقافة أخرى، سواء وُجِدَت في العصر نفسه أو في أيِّ عصر آخر، – فكر يضع في حسبانه مستوياتِ الواقع المتعددة، بحيث يتم التحاور الفعلي بين الثقافات، دون أن يؤدي ذلك إلى ذوبان أيٍّ منها في أيٍّ منها.

بذا تصبح التعددية الثقافية بهذا المعنى أشبه ما تكون بالتعداد، بما يقترب من مفهوم العدد في الحساب الذي يجعل من إضافة وحدة إلى عدد ما عددًا جديدًا، فيصبح التنوع الثقافي وتعدد مستويات الواقع هو اللحمة التكاملية للوحدة الوجودية والكونية، لأن هذه تفترض، منذ البداية، تعددًا أصليًّا ونسبيَّة قائمة في جوهر الأشياء، بحيث تكمن الوحدة وراء هذا المفهوم عن التعددية، فنكون في النهاية أمام "وحدة في كثرة" أو "كثرة في وحدة".

ضمن هذا الطرح، تكون المفاهيم الجمالية مَعْبَرًا إلى حلِّ الأزمات، بما فيها الأزمات السياسية. عند ذاك سنجد في إعادة قراءة ابن رشد مدخلاً، ونستشرف أفقًا إنسانيًّا جديدًا من خلال تجارب مثقَّفي "الأنوار"، من ڤولتير إلى ليسِّنغ. إنها رؤية ثقافية مشرقة ومتفائلة، تستوعب المغاير والمتغير، وتحترم ثقافات شعوب نُسِجَت بالذاكرة وبالأرض، بالجسد وبالمقدس، بالغيب وبالواقع، وتكرِّس روابط تضامُن القيم والأفكار العالمية والمآلات المشتركة لبني البشر قاطبة.

عن هذه الرؤيا تتولَّد العَلمانية التي لا تغفل عمل الروح والقلب، فتحترم الأديان والثقافات؛ وعن هذه الرؤيا تتولَّد الديموقراطيات الحقَّة التي تحترم حقوق الكائن الإنساني؛ وعن هذه الرؤيا يتولَّد التسامح الحقيقي ويولد السلام.

هل يعني هذا أننا سنجد حلولاً لمشكلاتنا السياسية من خلال مقاربة "صوفية"؟!

ولِمَ لا؟!

*** *** ***

horizontal rule

[1] كاتبة لبنانية، إيميلها: marwa_kreidieh@yahoo.fr.

[2] شيلِّر، رسائل حول التربية الجمالية للإنسان.

 الصفحة الأولى

Front Page

 افتتاحية

                              

منقولات روحيّة

Spiritual Traditions

 أسطورة

Mythology

 قيم خالدة

Perennial Ethics

 ٍإضاءات

Spotlights

 إبستمولوجيا

Epistemology

 طبابة بديلة

Alternative Medicine

 إيكولوجيا عميقة

Deep Ecology

علم نفس الأعماق

Depth Psychology

اللاعنف والمقاومة

Nonviolence & Resistance

 أدب

Literature

 كتب وقراءات

Books & Readings

 فنّ

Art

 مرصد

On the Lookout

The Sycamore Center

للاتصال بنا 

الهاتف: 3312257 - 11 - 963

العنوان: ص. ب.: 5866 - دمشق/ سورية

maaber@scs-net.org  :البريد الإلكتروني

  ساعد في التنضيد: لمى       الأخرس، لوسي خير بك، نبيل سلامة، هفال       يوسف وديمة عبّود