الأطفال لا يحبُّون الجنَّة... يفضِّلون الجحيم

 

حنين الأحمر

 

لو افترضنا أننا نعيش بدل الحياة الواحدة حيوات، وأننا بعد الموت ننبعث مرات ومرات من دون أن نبلغ العدم أو ربما الحياة الأبدية. لو افترضنا أننا نستطيع أن نحكم العالم بكبسة زر وأن نتملَّك أراضي وبنايات، وأن نشغل وظائف تجعلنا من أغنى أغنياء العالم، ولو افترضنا أننا نحن الخصم والحكم، في يدنا أن نختار قدرنا وأن نغيِّره بحسب مشيئتنا...

فرضيات. جميعها فرضيات كان العقل البشري، قبل اختراع ألعاب الفيديو، يجسِّدها على شاكلة تخيلات وهمية إلى أن تجسَّدت مرئيًا على الشاشات بأبعادٍ ثنائية وثلاثية. بات الأمر يتخطَّى الخيال الإنساني اللامرئي ليتجسَّد في عوالم افتراضية متعددة تطاول جوانب الحياة كلها.

بدأت هذه العوالم الإفتراضية المرئية بالظهور في عام 1947 عندما اخترع البروفسور الأميركي توماس غولد سميث الإبن، أول لعبة فيديو سمَّاها أداة أنبوب الأشعة المهبطية المسلية. كان الزمن وقتذاك زمن الألعاب المصنوعة يدويًا التي يشهد علم النفس بأهميتها في تحفيز الخيال عند الأطفال ما يجعلهم خلاَّقين، على اعتبار أنهم يخترعون لعبهم وينفِّذونها بمهاراتهم الشخصية. في ذلك الوقت كان الأطفال هم الذين يخترعون عالمهم الإفتراضي ويخترعون أصدقاءهم الوهميين ويحددون ملامحهم، كلٌّ بحسب مخيِّلته.

الآلة تتحكم بالطفل لا العكس

بعد سنوات عدة، وفي عام 1972، أُطلقت أول لعبة فيديو لغرض تجاري تحت اسم كومبيوتر سبايس، فكان أول جهاز ألعاب فيديو يتصل بالتلفزيون لعرض الصور. بعدذاك تكاثرت الألعاب الإلكترونية بسرعة، فأفقدت الألعاب البدائية مكانتها، ورويدًا رويدًا حلَّ العالم الإفتراضي الإلكتروني الذي يتفاعل فيه الطفل مع أبطال لعبة الفيديو مكان العالم الإفتراضي الخيالي اللامرئي الذي يخترعه الطفل، إلى أن أصبح عسيرًا فصل الواقع الإفتراضي عن الواقع الحقيقي في حياة الأطفال اليومية، فصارت الشركات الكبرى المصنِّعة للألعاب الإلكترونية هي التي تضع قيم العالم الإفتراضي بعدما كان الطفل هو صانع عالمه. غابت خصوصية الخيال عند الأطفال فتشاركوا بعالم افتراضي واحد ترسمه الدولة المنتجة للعبة الإلكترونية الأكثر جذبًا للجمهور. غابت خصوصية الخيال لأنه بات مطابقًا إلى حدٍّ كبير للواقع. كانت الألعاب الإلكترونية عالمًا في ذاته، لا يشبه الواقع ولا يشبه الخيال حتى. لنا أن نتذكر لعبة النينتاندو مثلاً. لعبة بسيطة، الشخصيات فيها غير واقعية وغير خيالية أيضًا. شخصيات بسيطة بأقل من خيال يمكن ابتكارها. فلويجي وماريو، بطلا اللعبة الشهيرة، كانا شخصيتين أقل من عاديتين. وظائفهما بسيطة جدًا. يتحركان ويقفزان. وهذا كان كفيلاً بتمكينهما من تفادي الحواجز. الجيل الجديد من الألعاب يقترح معادلة أكثر تعقيدًا: الخيال هو أن نرتقي إلى الواقعية ما استطعنا. فألعاب سلالة النينتاندو أوصلت إلى الـ بلاي ستايشن، التي وضعت الحياة في مجالات مختلفة في آلات تحكُّم موصولة إلى اللعبة في يد الأطفال. كنا نسمِّيها "مسكة"، أي أننا من خلالها نمسك بالشخصيات ونحرِّكها على سجيتنا. وكان ذلك مبعث فرح طبعًا، لأن إحكام القبضة على الشخصيات يُشعر الطفل بسلطة استثنائية. في ألعاب اليوم، باتت السلطة في يد اللعبة، أي انتقلت "المسكة" إلى يد اللعبة، لتتحكم هي بالطفل. وبهذا، فقد الطفلُ السلطة.

"الكارثة" هذه، أي فقدان الطفل السلطة، جعلته، عمومًا، يفقد السيطرة. لهذا، انترنتيًا، نجد الكثير من الأطفال فاقدي السيطرة، يهيمون في الألعاب الكثيرة التي تتحكم بهم، وتجعلهم عرضة لأمراض نفسية وجسمانية.

تصاعدت الأصوات المحذِّرة من خطر هذه الألعاب الإفتراضية الإلكترونية على الأطفال، نفسيًا وصحيًا. فقال خبراء الصحة إن تعوُّد الأطفال على هذه الألعاب قد يعرِّضهم إلى أخطار إصابات في الرقبة والظهر والأطراف، وإن الوميض المتقطع بسبب المستويات العالية والمتباينة من الإضاءة فيها قد يتسبب في حدوث نوبات صرع، ووصل الأمر ببعضهم إلى المطالبة بضرورة كتابة تحذيرات عليها، من مثل التحذيرات المكتوبة على علب السجائر.

أما علماء النفس فقالوا إنها تشجع على الانحرافات السلوكية الخطيرة التي قد يكتسبها الطفل، كالعنف والعدوانية والتفتح المبكر على الجنس والميل إلى الإنزواء والإنطوائية، وأحيانًا العزلة التامة. كما أنها تخفف من الذكاء وتقلل من الخلق وخصوصًا أن الأطفال يدمنون هذا العالم الإفتراضي ويمضون معظم وقتهم فيه، فيستيقظون في الليل للتحقق من شخصياتهم الإفتراضية والإطمئنان اليها، وأحيانًا يهربون من المدرسة ويقصدون أماكن تمكِّنهم من الاتصال بعالمهم الإفتراضي. دفع هذا الإدمان الدكتور كليفورد هيل، المشرف العلمي في اللجنة البرلمانية البريطانية لتقصي مشكلة الألعاب الإلكترونية في بريطانيا، إلى القول:

لقد اغتُصبت براءة أطفالنا أمام أعيننا وبمساعدتنا بل وبأموالنا أيضًا. وحتى لو صودرت جميع هذه الأشرطة فإن الأمر سيكون متأخرًا للغاية في منع نموِّ جيل يمارس أشد أنواع العنف تطرفًا في التاريخ المعاصر.

غياب البراءة

مع غياب البراءة، بات كل شيء مباحًا ومتوقعًا من الأطفال. فغريزة "الجريمة" التي تسكن كل طفل، تجد تصريفها في الألعاب التي تجري غالبًا في شوارع وأحياء ومدن افتراضية، تعمُّها الفوضى والسرقات والقتل والإغتصاب. يمكن الطفل أن يفعل كل ما يريد في بعض الألعاب الإفتراضية. يمكن أن يضرب ويقتل ويمزِّق ويحرق ويفجِّر. يمكن أن يحتل ويسرق ويغتصب. له أن يفعل ما يريد. أن يطلق النار، أن يكون شريرًا أو خيِّرًا، لصًا أو شرطيًا، جلاَّدًا أو ضحية. بكبسة زرٍّ يختار ما يريد. في الشوارع الإفتراضية يهيم، يبحث عن ضحاياه، يبحث عن نفسه، عن أمه وأبيه. يحدث أحيانًا أن يقتلهما عمدًا في لعبة ما. يُنزلهما من السيارة، ويطلق عليهما النار، ثم يحييهما من جديد، ويعيد قتلهما في محلٍّ للمجوهرات، ثم يحييهما ويقتلهما في المقهى، وهكذا دوليك. هو مفهوم العقاب المتعاقب والمتكرر الذي يقول به الله في الجحيم. تتيح الألعاب ابتكار الجحيم التي نريد، أما الجنَّة فليس لها رواد كثر. غالبًا تبدو في الألعاب كمعرض للرسم، رتيب ومضجر. الأطفال لا يحبُّون الجنَّة، في الغالب الأعمِّ، يفضِّلون الجحيم!

مع ذلك، فقد لاقى العالم الإفتراضي الإلكتروني رواجًا جعله أمرًا واقعًا لا مفرَّ منه، فلانت أصوات علماء النفس الذين عادوا ورأوا في هذه العوالم بعض الإيجابيات قائلين إنها أداة مفيدة لمساعدة الأطفال في التمرن على ما يتعلَّمونه في الحياة الفعلية. على اعتبار أن العالم الإفتراضي تفاعلي يتعلم الأطفال من خلاله الكثير من جوانب الحياة الفردية والإجتماعية من دون خشية التعرض إلى عواقب أفعالهم أو الخوف من الوقوع في الخطأ أو العقاب، كما هي الحال في العالم الواقعي. وقد استغلَّت دول كبرى هذه النظرية فوظَّفت اختراعاتها لتدريب الصغار على مستقبل ترسمه لهم.

حروبٌ افتراضية الأطفالُ أحصنةُ طروادتها

هكذا بدأت حروب العالم الواقعي لتدريب الأطفال من خلال العالم الإفتراضي، فأطلقت الولايات المتحدة الأميركية لعبة غزت السوق العربية عن احتلال الجنود الأميركيين لعواصم عربية من بينها بيروت وبغداد، ردَّ عليها "حزب الله" بإطلاق لعبة القوة الخاصة تحت شعار الممانعة، مروِّجًا لها بأنها نصر على العدو الذي يحاول بث معتقداته من خلال ألعاب أميركية مضرَّة نفذت إلى عقول الشباب والأطفال. المفارقة أن هذه اللعبة لا تختلف في مضمونها عن الألعاب الأميركية من حيث العنف الموجود فيها، فهي تعتمد على القتل وإسالة الدماء، لكن تحت راية المقاومة.

"مسلَّحًا" بالنجاح الذي لاقته لعبته الأولى، طرح "حزب الله" في عام 2006 لعبة جديدة تروي حكاية "الوعد الصادق" مطلقًا عليها اسم القوة الخاصة -2. يقوم سيناريو اللعبة على عملية أسر الجنديين في 11 تموز 2006، وفيها يتمكن اللاعبون من إطلاق الصواريخ على المستوطنات الإسرائيلية. واعتبر الحزب أن "من حق الطفل اللبناني أن يعرف ما حصل في الجنوب ليقوم بمحاكاة للفعل الجهادي ولفعل تحرير الارض" (في مقابلة مع مسؤول الأنشطة الاعلامية في "حزب الله" الشيخ علي ضاهر لجريدة "الأخبار"). وأفاد "حزب الله" في لعبته هذه من تقنية الأبعاد الثلاثية التي يقول عنها رائد الواقع الافتراضي الباحث جارون لانيار إنها "الأخطر لأنها الأفعل"، فالإدراك والمعرفة الانسانية مصممان للعمل على الأبعاد الثلاثية، ما يسهِّل عمل العالم الإفتراضي الثلاثي البعد للتحكُّم في العقول.

يعود تاريخ دخول تقنية الأبعاد الثلاثية إلى الألعاب الإلكترونية من طريق الإنترنت إلى عام 1999 مع الأميركي فيليب روزدال الذي أسس شركة "ليندن لاب" بهدف تقديم خدمة جديدة لزوار الإنترنت. مع هذه التقنية تخطى جمهور العالم الإفتراضي الأطفال فجذب الناس من جميع الأعمار، الأمر الذي استغلَّته الشركات الكبرى فجعلت من هذا العالم الإفتراضي ميدان اختبار ثلاثي البعد لأغراض التسوق، كما فعلت شركات سوني بي إم جي ميوزيك إنترتايمنت، وصن مايكروسيستمس، ونيسان، وأديداس/ ريبوك، وتويوتا، وفنادق ستاروود، وقامت الشبكات الإخبارية بدخول هذا العالم أيضًا، من مثل شبكتي "سي إن أن" و"رويترز." وأفادت الشركات من هذه الميزة الجديدة التى جذبت العديد من المستخدمين، فأطلقت عوالم افتراضية جديدة، كشركة غوغل التي أطلقت عالمها الافتراضي تحت اسم لايفلي Lively.

حياة ثانية

في عام 2003 أُطلق موقع الحياة الثانية second Life تحت شعار "العالم عالمك والخيال خيالك". يملك زوار هذا الموقع الحقوق الفكرية لما يخلقونه، وبمجرد الدخول إلى "الحياة الثانية" ستجد الكثيرين من زوَّاره يحاولون التعرف إليك، ويمكنك تكوين صداقات أو الدخول في علاقات حب أو غيرها. وأفاد بعض الباحثين من هذه البيئة فخلقوا شخصيات تعكسهم بأسمائهم الحقيقية، وتجوَّلوا في هذا العالم الإفتراضي وقدَّموا محاضرات وروَّجوا كتبهم. وهذا ما فعله لاري ليسيغ الذي اتفق مع ما يقارب مئة شخصية افتراضية للتجمع في مكان افتراضي وتحدَّث معهم عن كتابه الجديد Free Culture ووزَّع نسخًا إلكترونية منه ووقَّعها افتراضيًا.

لو افترضنا أننا نستطيع أن نحيا حياة عادية. أن نسكن في منزل عادي، في قرية نائية، بعيدة من التكنولوجيا والعالم. لو افترضنا أننا نستطيع التواصل مع كائنات حقيقية من لحم ودم، ونلعب في الحقول. لو افترضنا أن علاقاتنا العاطفية يمكن أن تكون أكثر واقعية وأن القبلات ليست مجرد رسم لشفتين حمراوين، وأن الحب ليس مجرد رسم لقلب أحمر. لو افترضنا أن العالم الإفتراضي غير موجود، كيف كان عالمنا ليكون؟

لو...

*** *** ***

النهار

 الصفحة الأولى

Front Page

 افتتاحية

                              

منقولات روحيّة

Spiritual Traditions

 أسطورة

Mythology

 قيم خالدة

Perennial Ethics

 إضاءات

Spotlights

 إبستمولوجيا

Epistemology

 طبابة بديلة

Alternative Medicine

 إيكولوجيا عميقة

Deep Ecology

علم نفس الأعماق

Depth Psychology

اللاعنف والمقاومة

Nonviolence & Resistance

 أدب

Literature

 كتب وقراءات

Books & Readings

 فنّ

Art

 مرصد

On the Lookout

The Sycamore Center

للاتصال بنا 

الهاتف: 3312257 - 11 - 963

العنوان: ص. ب.: 5866 - دمشق/ سورية

maaber@scs-net.org  :البريد الإلكتروني

  ساعد في التنضيد: لمى       الأخرس، لوسي خير بك، نبيل سلامة، هفال       يوسف وديمة عبّود