لا تقتل...!
محاولة فلسفية

 

أكرم أنطاكي

 

... عندما تمَّ التفوه بالوصية القائلة "لا تقتل" بدت هذه الوصية شاسعة المدى، بدت تقريبًا وكأنها مرادفة لكلمة "لا تتنفس"! كانت تبدو مستحيلة، لا بل جنونية، إن لم نقل تدميرًا للذات. ولكن هذا القول احتفظ بقوته على مرِّ العصور. مما أدَّى إلى خلق القوانين والمواقف والقواعد الأخلاقية. فقط بضعة أمثال أخرى أعطت مثل تلك الثمار وغيَّرت جذريًا حياة الإنسان.

هرمن هسِّه – ماذا لو استمرت الحرب؟

 

1

ونبدأ من هذا القول الجميل لهرمن هسِّه، لنتفكر في تلك الوصية – السادسة – الشهيرة التي نقلها موسى إلى شعبه والقائلة: "لا تقتل"، تلك التي ما زالت إلى يومنا هذا من أهم الوصايا التي يجب علينا التفكير بها والسعي إلى العمل بموجبها. نبدأ من تلك الوصية التي يمكن اعتبارها نقطة علاَّم في تاريخ الإنسانية، والتي ستكون موضوع بحثنا في هذه المحاولة.

وردت وصية "لا تقتل" في التوراة (العهد القديم) في مكانين: سفر الخروج 20: 13، وسفر تثنية الإشتراع 5: 17. وحولها، من منظور المشرِّعين الذين اعتمدوا العهد القديم – من يهود ومسيحيين – ومن بعدهم المسلمين، اختلفت الآراء والتفسيرات واختلفت المواقف.

فالفهم السائد والأكثر شيوعًا بين المشرِّعين الذين اعتمدوا العهد القديم هو أنَّ "لا تقتل" تعني فعلاً لا ترتكب جريمة القتل المتعمَّد بحق إنسان آخر، حيث يستثني المشرِّعون من هذه الوصية قتل الحيوان والنبات من أجل إطعام البشر؛ فالألوهة، حسب التوراة، جعلت الحيوانات تحت تصرف البشر (سفر التكوين 1: 26-30[1]، وتثنية الإشتراع 22: 6-7[2] و25: 4، والأمثال 12: 10[3]) وأيضًا...

نجد أنَّ إله التوراة سمح لـ"شعبه"، وفي ظروفٍ محددة، بقتل سواهم من البشر، وذلك كعقاب على جريمة القتل مثلاً (سفر الخروج 21: 12-14[4]، وسفر اللاويين 24: 17[5]) وفي حال الزنا (سفر اللاويين 20: 10[6]، وسفر تثنية الإشتراع 22: 22-24[7]) ليس حصرًا، كما برَّر لهم محاربة أعدائهم والتنكيل بهم وقتلهم (سفر تثنية الإشتراع 20: 1- 20[8])، كما أقرَّ بإمكانية أن يقتل الإنسان أخيه الإنسان عن طريق الصدفة (سفر العدد 35: 9-12[9]، وسفر تثنية الإشتراع 19: 1-13[10]).

مشيرين، بالمناسبة، إلى أن هذا الإله كان قد سمح لنفسه، وقبل أن ينزل وصاياه على موسى، بإبادة بشريات بكاملها، كما في أسطورة نوح (سفر التكوين من 6 إلى 9[11]) وأسطورة لوط (سفر التكوين 19[12]) مثلاً، وذلك لأن هذه البشريات ضلَّت الطريق. ولكن...

يبقى واقع يقول بأن هذه الوصية كانت إحدى بدايات التشريع الإنساني الذي ما زال يسعى متعثرًا من أجل تنظيم العلاقات بين البشر.

وأيضًا، انطلاقًا من هذه الوصية و/أو بالإستناد إليها، كانت هناك تفسيرات أخرى تحرِّم القتل بالمطلق. فمن منظور آخر، أكثر مثاليةً وربما أكثر رقيًّا، كان هناك من حاول، بالاستناد إلى نفس العهد القديم (التوراة) واستنادًا إلى تلك الوصية التي تقول بأن الله خلق الإنسان على صورته (سفرالتكوين 1: 26-27، و9: 4-6)، تفسير منع القتل بأنه شامل من منطلق أن قتل إنسانٍ لإنسانٍ آخر هو تعد على الذات الإلهية. وهذا التفسير، الأرقى ربما، كان مقاربًا لذلك الذي اعتمدته البوذية التي حرَّمت بالمطلق قتل أي كائنٍ حي. وأيضًا...

من هذا المنطلق كانت مواقف تولستوي وغاندي ورومان رولان وهرمن هسِّه، الذين استندوا فيما ذهبوا إليه إلى السيد المسيح وإلى أجمل ما جاء في المنقول الروحي للديانة المسيحية.

لأن هذا الفهم قد وجد فعلاً أفضلَ وأعمق تعبير عنه في تعاليم السيد المسيح الذي لم يكتف بمنع القتل بالمطلق، إنما دعا إلى عدم محاربة الشرِّ بالشر، كما دعا، بكل وضوح، إلى محبَّة من نسميهم بالأعداء. وقد جاء في خطبة الجبل وعلى لسانه:

... قد سمعتم أنه قيل للأولين لا تقتل. فإن من قتل، يستوجب الدينونة. وأما أنا فأقول: إن كل من غضب على أخيه يستوجب الدينونة.

قد سمعتم أنه قيل للأولين لا تزن. أما أنا فأقول: إن كل من نظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى في قلبه...

... ليكن كلامكم نعم نعم ولا لا. وما زاد على ذلك فهو من الشرير.

سمعتم أنه قيل العين بالعين والسن بالسن. أما أنا فأقول لكم: لا تقاوموا الشرير بل من لطمك على خدك الأيمن فحوِّل له الآخر. ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فخلِّ له رداءك أيضًا. ومن سخَّرك ميلاً فامش معه اثنين. من سألك فأعطه، ومن أراد أن يقترض منك فلا تمنعه.

قد سمعتم أنه قيل أحبب قريبك وابغض عدوك. أما أنا فأقول لكم: أحبوا أعداءكم واحسنوا إلى من يبغضكم. وصلُّوا من أجل من يعذبكم ويضطهدكم، لتكونوا بني أبيكم الذي في السموات. لأنه يُطلِع شمسه على الأشرار والصالحين ويمطر على الأبرار والظالمين. لأنكم إن أحببتم من يحبكم فأي أجر لكم؟ أليس العشَّارون يفعلون ذلك؟ وإن سلَّمتم على أخوتكم فقط فأي فضل عملتم؟ أليس الوثنيون يفعلون ذلك؟ فكونوا كاملين كما أباكم في السماء هو كامل...[13]

وأكتفي حاليًا من الأديان التي ولدت في منطقتنا بهذا القدر، فلا أتوسع – لأن هذا يتجاوز إطار محاولتي – في الحديث عنها ولا في الحديث عن الإسلام الذي سأترك التفكير به، وحول هذه النقطة بالذات، لأبنائه، مشيرًا إلى أن الإسلام، ذلك الدين العظيم الذي رغم محاولته الجادة لأن يكون وسطيًا بين الدينين الذين سبقاه، إنما عاد، وفيما يتعلق بحظر القتل، إلى تأكيد وتبني نفس ما دعت إليه الشريعة الموسوية وإلى ما طبَّقه على مرِّ العصور المشرِّعون المسيحيون. كما أني لن أتطرق إلى ممارسات أبناء هذه الشرائع الثلاث على مرِّ العصور وحتى تاريخه، ولا إلى ممارسات سواهم، إنما سأنتقل مباشرة إلى التفكير بالنتائج التي نجمت عن ممارساتنا ومفاهيمنا السائدة كبشر على اختلاف دياناتنا وتوجهاتنا، والتي ما زالت تحكمنا اليوم كإنسانية، وأدَّت إلى واقعٍ:

-       أصبح فيه بوسعنا اليوم أن نبيد، بلا أي تمييز، الملايين من البشر. وأيضًا...

-       أصبح بوسعنا اليوم، من خلال تقدمنا العلمي والتقني، ومن منطق الصراع فيما بيننا والتنافس اللاأخلاقي على الثروات، والذي ما زال سائدًا، أن ندمِّر الحياة بكاملها من على سطح كوكبنا.

وأتساءل، كإنسان يحاول أن يفهم ما حوله، أين أصبحت مكانة هذه الوصية الخالدة "لا تقتل" في عالمنا؟ وهل، بعد آلاف السنين من التاريخ الذي ينسب إليها، ارتقينا فعلاً في فهمنا وفي أخلاقياتنا؟

ولأن غايتي من هذه المحاولة ليست مناقشة الأديان وشرائعها، إنما، من منطلق هذه "الوصية" – من منطلق "لا تقتل" – محاولة التفكير بواقعنا الإنساني القائم والمفترض، فإني سأحاول أن أتفهم مسببات هذا الواقع الصعب والمعقد والذي يصفه البعض بـ"المأسوي"، وأن أتلمس المخارج إن وجدت.

2
من الظلمة المتوهجة للشواش إلى النور البارد للخليقة...

وأعود إلى هرمن هسِّه الذي من منطلق فهمه الإنساني الأكثر رقيًا لوصية "لا تقتل" قال:

... ليست (لا تقتل) صيغة ثابتة من أجل الإيثار، (صيغة) لا تقبل التغيير، ويمكن أن تُدرَّس في المدارس. لأنه لا وجود للإيثار في الطبيعة. فـ"لا تقتل" لا تعني: لا تؤذِ إنسانًا آخر! إنما تعني لا تحرم نفسك من الآخر، ولا تؤذِ نفسك! فالآخر ليس كائنًا غريبًا، والآخر ليس ذلك الشيء البعيد الذي لا علاقة لي به، والمكتفي بذاته. لأنَّ كل الأشياء التي في هذا العالم، كل تلك الألوف التي تشكِّل الآخرين، موجودة من أجلي فقط، طالما أنا أراها وأشعر بها وأقيم علاقات معها. وهذه العلاقات التي بيني وبين العالم، التي بيني وبين الآخرين، هي جوهر حياتي...[14]

وأتفكَّر أن هسِّه، وفيما يذهب إليه، إنما كان ينطلق من عدة مفاهيم أساسية تقول:

1.    إنَّ من ندعوه آخر، أي ذلك الإنسان الذي يعيش معنا ويواجهنا، ليس كائنًا غريبًا عنَّا. إنما...

2.    هو كائن نحن بحاجة إليه وتربطنا به علاقة متبادلة. و...

3.    إنَّ هذه العلاقة التي بيني وبينه، كما بيني وبين العالم، تشكِّل جوهر حياتي.

وأعود إلى البداية، فأتفكر من نفس المنطلق أنه إذا كانت البداية على صعيد الخليقة وعلى صعيد الكون هي الكلمة[15]، كما جاء في إنجيل يوحنا، فإن البداية الفعلية على صعيد إنسانيتنا لم تكن الصراع، كما افترض ذات يوم صديقنا الفيلسوف جان ماري مولِّر. فالصراع هو محصلة حاصل لتواجد إنساني سابق يفترض وجود علاقات بين البشر. ما يعني، بالتالي، أنه، على صعيدنا الإنساني، من الأصح أن نفترض مع مارتن بوبر بأنه...

في البدء كانت العلاقة...[16]

وأحاول، انطلاقًا من هذا المنظور، تفهُّم ما حصل على صعيد إنسانيتنا فأوصلنا، رغم كلِّ المبادىء التي ندَّعيها، ورغم كلِّ الديانات السماوية وغير السماوية والعقائد التي ندَّعي الإنتساب إليها، إلى ما أوصلنا إليه.

فعلاقة الإنسان مع نفسه، والعلاقة بين الإنسان والإنسان، والعلاقة بين البشر والطبيعة، وبين البشر وسواهم من المخلوقات، كانت إشكاليةً منذ البداية وذلك من خلال ثنائيتها المتوافقة – كما يفترض مارتن بوبر – مع المواقف الثنائية للإنسان تجاه ذاته وتجاه العالم، الأمر الذي جعل – والله أعلم – فهم الإنسان لعالمه مزدوجًا، وجعل علاقته معه تبدو وكأنها تناحرية.

حول بدء حياة الكائن البشري في رحم أمه، وبداية تشكُّل علاقة ذلك الإنسان الوليد بعالمه المحيط، يقول مارتن بوبر – الذي سأعتمده مرجعًا أساسيًا في محاولتي هذه – إن:

... حياة الطفل التي سبقت الولادة هي حياة جمع طبيعي وتفاعل جسدي وتدفق من واحدٍ إلى آخر. وأفق حياته، حين يخرج إلى حيز الوجود، يبدو منفردًا، وكأنه مرسوم وغير مرسوم، في قلب الحياة التي أعطيت له. وبالتالي لا يبقى في رحم أمه البشرية. مع ذلك فإن لهذا الارتباط صفة كونية. من هذا المنطلق يمكن فهم القول الأسطوري اليهودي إن "في جسم أمه يتعرف الإنسان إلى الكون الذي ينساه حين يولد..."

وتبدأ بعدئذٍ علاقات الطفل بالحياة مبتدئةً بعلاقته مع تلك التي أعطته هذه الحياة، وعن طريق ما نفترضه غريزة التواصل، بذلك التواصل...

... الذي يتم أولاً عن طريق التلمُّس ثم عن طريق "ملامسة" النظر مع كائن آخر...

وتتحول هذه الغريزة إلى علاقة متبادلة الحنان تسبق علاقة الطفل بالعالم الذي يقدم له ويبدأ باختباره:

... فللمرة الأولى، تراه يجرب أشياءً يعتبرها مجرد مجموعة صفات... وللمرة الأولى، تظهر الأشياء بالنسبة له وكأنها مؤلفة فعلاً من مجموع صفاتها... وللمرة الأولى، يحدد الأشياء، في المكان والزمان، بواسطة رابط سببي، كل في مكانه ومساره المحدد، بقياساته وطبيعته الاشتراطية...

وهكذا، من قلب علاقة مع ذاتٍ لها طبيعتها الكونية والشاملة، والتي من الصعب تحديدها، ينشأ – بشكل طبيعي – مستوى آخر من العلاقات المادية والملموسة بين الطفل وبين ذاته، من خلال (شخصيته) التي بدأت بالتكوُّن. وبالتالي، من ثم، تنشأ علاقات مع ذوات أخرى متمايزة عنه في الزمان والمكان، أي مع ذلك الذي أصبحنا ندعوه بلغتنا الدارجة آخر...

... وهنا يكمن المحزن المتعالي لقدرنا، أن تتحول كل أنت في عالمنا إلى هو...

أي أن تتحول كل ذات كونية إلى شيء أو لنقل إلى آخر. ويبدأ الإنسان بتجربة العالم...

فيطوف... على سطح الأشياء ويجرِّبها، ويستخلص منها معرفة تركيبها...

وتبدأ الأمور بالتعقد. فبشرية ذلك الذي أصبح متمايزًا عنَّا كما أصبحنا نحن متمايزين عنه، هذه البشرية...

... التي نتخيلها، ونفترضها، وندعو إليها لا علاقة لها بالبشرية الحيَّة التي يمكن فيها التكلُّم بصدق عن الـأنت[17]. ففيها يبقى الشكل هو التخيل الأنبل، وفيها تفسد أسمى المشاعر الوهمية. ولا تبقى الأفكار تتوج رؤوسنا أو تسكنها؛ إنما (تصبح الأفكار أشياءً) تطوف بيننا وتفاتحنا...

وسرعان ما ينعكس هذا التمايز، إن لم نقل هذا "الانخفاض" في مستوى العلاقات الإنسانية، سلبًا على أرضية الواقع من خلال المجالات الثلاث لتلك العلاقات مع العالم المحيط. وهذه المجالات هي:

-       أولاً: حياتنا في قلب الطبيعة التي تحتضننا: هنا، على حدِّ قول مارتن بوبر، تترنح العلاقة كئيبةً أخفض من مستوى الكلام. فتجدنا أمام طبيعة تبدو وكأنها تحت تصرفنا، وتجدنا أمام كائنات غير قادرة على الكلام، غالبًا ما يبدو وكأنها تتحرك ضدنا وليس بوسعها أن تأتي إلينا. وحين نتوجه إليها يبدو وكأن كلماتنا تتشبث بعتبة الكلام. هنا غالبًا ما ترانا نتعامل مع الطبيعة كما يتعامل الأسياد مع ما يمتلكونه من مقتنيات ومن عبيد، أي كأشياء منفصلة عنَّا. فنجرب، ونختبر، ونستعبد وحتى... نقتل. كما بررت لنا بذلك – ظاهرًا – كتبنا المقدسة وشرائعنا.

-       ثانيًا: حياتنا مع البشر الآخرين: هنا، وانطلاقًا من نفس الفهم السائد للطبيعة ولما تتضمنه هذه الطبيعة من كائنات، تجدنا، ورغم أن العلاقة بيننا كبشر تنفتح (أمامنا) وتتخذ شكل الكلام، مدفوعين أيضًا إلى التعامل مع هؤلاء البشر الآخرين كغرباء، لا علاقة لهم بنا. مع ملاحظة أنه بوسعنا، أكثر في مثل هذه الحالة، تقديم ذات ذلك الذي نفترضه آخرًا وقبوله كندٍّ لنا، إن لم نقل قبول أننا وهو واحدٌ في نهاية المطاف. و...

-       ثالثًا: حياتنا في الكون: أو لنقل، حياتنا في ذلك العالم المادي، العلوي و/أو السفلي، المتناه في الكبر و/أو في الصغر، والمحيط بنا. إن لم نقل علاقتنا مع تلك الأشكال الجلية التي نبدأ، من خلالها، بتلمس علاقتنا مع ذلك المتواجد اللامنظور الذي نشعر به ولا نستطيع تحديده. أقصد علاقتنا مع الألوهة. وهنا، أيضًا على حدِّ تعبير مارتن بوبر، تحتجب العلاقة خلف سحابة، ولكنها تفصح عن نفسها؛ فهي علاقة لا تستخدم الكلام، إنما تولده. وهي علاقة قد لا نتلمَّس الذات الكلِّية من خلالها، ولكننا نشعر بتوجهها إلينا فحسب – مشكلين، ومفكرين وفاعلين.

3
نحو المزيد من التعقيد...

وأجدني مضطرًا هنا إلى الاعتذار منكم أيها الإخوة، ليس لأن الأمور في هذه الحياة معقدة، فهذا أمر واقع ليس بمقدوري التحكم به، وإنما لأن الموضوع الذي نحن بصدده، ورغم أنه قد يبدو بسيطًا، هو في الحقيقة معقدٌ جدًا. أعتذر فعلاً، وأحاول قدر المستطاع، ومن دون الإساءة إلى المضمون، تبسيط الأمور كما أفهمها...

فأتساءل معكم قبل كل شيء، ما الذي يمكن أن نستنتجه مما سبق؟

أنا من ناحيتي، أستنتج ما يلي: إن العلاقات التي تنشأ منذ بداية حياتنا كبشر هي، من منطلق فهمنا لها ومن منطلق عيشها الذي لا يمكن أن ينفصل عن مستوى وعينا، علاقاتٌ تتوضع على مستويين مختلفين من الواقع ومن الحقيقة؛ حيث...

-       المستوى الأول هو المستوى الكوني الذي نعيشه خلال مسيرتنا منذ بدايات حياتنا ولكننا لا نعيه تمامًا. لذلك، سرعان ما تجدنا نتمايز عنه. في هذا المستوى بوسعنا أن نقول، وبكل ثقة، إننا نعيش في وحدة مع الذات الكلِّية التي سرعان ما تجدنا نتمايز عنها بعد الولادة، وبمجرَّد أن تبدأ الأنا الخاصة بنا (أقصد شخصيتنا) بالتشكُّل. و...

-       المستوى الثاني هو ذلك المستوى الذي، انطلاقًا من هذه الذات التي تبدأ بالتشكُّل، يضعنا في معمعان الحياة من جهة، ويؤكد تمايزنا الظاهر عما يحيط بنا من جهة أخرى. فترانا من خلال هذا التمايز نجرِّب العالم كما يقدم لنا وكما نرتضيه لأنفسنا، ونحاول تملكه. ولكن...

عن طريق دخولنا في معمعان الحياة تتفتح أمامنا من جديد إمكانية معاودة التواصل مع تلك الذات الكلية التي بدا وكأننا انفصلنا عنها في البداية، فنتلقفها و/أو نرفضها.

حول هذه النقطة، وفيما يتعلَّق بموضوعنا الذي هو "لا تقتل"، سأحاول شرح ما أعنيه بهذين المستويين المختلفين للعلاقة من خلال مثالٍ أعتقد بأنه يرتبط بالمجالات الثلاثة لعلاقاتنا الإنسانية.

وأعود إلى التوراة (أعود إلى العهد القديم)، وإلى تلك الأسطورة التي تنسب إلى إبراهيم الذي من أجل إرضاء ربِّه رأى أن يقدم له ابنه إسحق[18]. وذلك طبعًا قبل أن يوحى إليه، فيُلهم بأن يستبدل تلك الذبيحة البشرية بتقدمة كائن أخفض – من وجهة نظرنا –.

فأجدني أمام تلك التضحية البشرية، أو لنقل أمام ذلك الفعل الذي نرفضه اليوم بمعظمنا، ونعتبره في منتهى الهمجية، وهو فعلاً كذلك انطلاقًا من مستوى وعينا الحالي المفترض، (أجدني) أحاول أن أتفهم، ولكن من منظور مستوى وعي آخر يحاول أن يتلمس حقيقة علاقة ذلك الإنسان البدائي والكلِّي الصدق في تلك الأيام بعالمه المحيط، ومن منطلق المجالات الثلاث لعلاقاته بالطبيعة وبالبشرية وبالألوهة. حول هذا الموضوع يقول مارتن بوبر:

تتحقق الخليقة فينا، وتحترق في داخلنا، وتعيد صياغتنا من خلال احتراقها – ونحن نرتجف ونضعف، ونخضع. فنساهم في الخليقة، ونلتقي بالخالق، ونتواصل معه، كمريدين وكرفاق.

هناك خادمان عظيمان سبقانا عبر العصور، ألا وهما الصلاة والتضحية. فالإنسان الذي يصلي يفرِّغ نفسه باتكال غير محدود، لأنه يعرف أن له – بشكل ليس بوسعه أن يفهمه – تأثير على الألوهة، وذلك رغم أنه لا يحصل على شيء مباشر من تلك الألوهة، لكنه حين لا يعود بوسعه أن يشتهي أي شيء لنفسه فإنه سيرى لهيب أثره مشتعلاً في الأعالي. – و(ماذا عن) الإنسان الذي يقدِّم الأضاحي؟ أنا لا أستطيع الاستخفاف بذلك الخادم المستقيم من الأزمنة السالفة، (ذاك الإنسان) الذي كان يؤمن بأن الله يتوق إلى الأريج المحترق للتقدمة. فبشكل جنوني وقوي نحن نعرف أن بوسعنا، لا بل من واجبنا، أن نقدِّم ما نستطيع للألوهة. وهذا يعرفه أيضًا من يقدِّم رغبته الصغيرة إلى الله ويلتقيه في المشيئة الكبرى. إنه يقول "فلتكن مشيئتك" لا أكثر، لكن الحقيقة تضيف من أجله "من خلالي أنا الذي أنت في حاجة إليه"[19].

وأتلمس مما سبق:

-       أولاً: ذلك الجانب الكوني لعلاقة الإنسان بالخالق. تلك الحاجة التي جعلته يشعر بضرورة أن يقدِّم له أعزَّ ما لديه من جهة. و...

-       ثانيًا: من خلال القلب والعقل أتفهم كيف ارتقت هذه العلاقة لتتحول من قتل ذلك الإنسان الذي هو أنا (ابن إبراهيم) إلى التضحية بما نفترضه كائنًا أدنى. ما يجعلنا، ومنذ أيام تلك الإنسانية السحيقة القدم، نقارب مفهوم تلك الوصية التي نحن بصددها، والتي هي "لا تقتل". و...

-       ثالثًا: وهذا هو الأهم، أتلمس التفاعل الصادق لـأنا الإنسان البدائي الذي يقارب كلِّيته بتلك الـأنت الكونية التي هي أناه في نهاية المطاف.

لكن، تمهل قليلاً يا صديقي، وتفكر! ألست تراك، وفيما تذهب إليه، تتناقض مع نفسك؟ فكيف بوسعك، أنت الذي يدَّعي القبول بمطلق تلك الوصية، بمطلق "لا تقتل"، القبول بالتضحية، إن لم نقل بقتل ذلك المخلوق الذي تفترضه كائنًا أدنى؟

وأجدني مضطرًا مرة أخرى لأن أراجع نفسي من خلال علاقتي بالطبيعة وبجميع كائناتها. فأعود لأتفكر في ذلك المجال الذي تترنح (فيه) العلاقة كئيبةً أخفض من مستوى الكلام – على حدِّ تعبير مارتن بوبر. فأتفكر مرةً أخرى، فيما جاء في التوراة (العهد القديم) من خلال الفهم الكوني الكلِّي الصادق لأولئك البشر البدائيين الملهمين الذين كتبوها. وهذه تقول:

وتسلطوا على سمك البحر وعلى طيور السماء وعلى كل حيوان يدبُّ على الأرض. وقال الله إني قد أعطيتكم كلَّ بقلٍ يبرز بزرًا على وجه كلِّ الأرض فيه ثمر شجرًا ليكون لكم طعامًا. ولكل حيوان الأرض وكل طير السماء وكل دابةٍ على الأرض فيها نفس حية أعطيت كل عشب أخضر طعامًا[20].

كما تقول أيضًا...

إذا داست قدمك عش طائرٍ في الطريق في شجرةٍ ما أو على الأرض فيه فراخ أو بيض والأم حاضنة الفراخ أوالبيض فلا تأخذ الأم مع الأولاد، بل أطلق الأم وخذ لنفسك الأولاد لكي يكون لك خير وتطيل الأيام[21].

وأجدني مرةً أخرى، من خلال هذه الوصايا، وبكل إجلال، ليس مع إنسانٍ يقتل سواه من الكائنات إنما مع إنسان متحد بشكل كلِّي مع الطبيعة. وبالتالي، من خلال علاقته الصادقة معها، متحد مع كلِّ من فيها من كائنات. إنسان يحقق من خلالها، مثله مثل سائر الكائنات، وكلٌّ في عالمه، وكلٌّ في مستوى حقيقته، ما ندعوه بدورة الحياة.

فأنا أتغذى ممن حولي من طبيعة ومن حيوان، وفي نفس الوقت أنا أحب (أو هكذا يفترض أن يكون) هذه الطبيعة وكلَّ ما فيها من كائنات من واجبي احترامها وحمايتها ومساعدتها على نموها، (فأرعاها وأتغذى منها) تمامًا كما يتغذى الحيوان من سواه ومن الطبيعة، وتمامًا كما تتغذى الطبيعة من هذه الأرض التي تحتضنها، وفي نهاية المطاف كما تتغذى هذه الأرض مني حين تكتمل دورة حياتي فأعود إليها. لكن، وهذا هو الشرط الأساسي لهذه العلاقة التي نتشارك فيها جميعنا، من خلال تلك العلاقة لا تنفصم مع الذات الكونية، التي تفترض أول ما تفترض وجود المحبة ووجود الاحترام.

وأتفكر بأن السمك في الماء لا يقتل، إنما يقتات مما تقدمه له الطبيعة من أجل استمرار دورة الحياة. وأتفكر بأن الحيوانات، حتى منها تلك التي نطلق عليها تسمية المفترسة، لا تقتل من نفس المنظور، ومن نفس المنطلق. وحده الذي يقتل هو من بوسعه أن ينتزع حياة أي كائن آخر عن سابق إصرار وتصميم ولغايات لا علاقة لها بالاستمرارية الطبيعية لدورة الحياة. وحده الذي يقتل (مع الأسف) هو الإنسان.

وفعلاً، كما جاء في العهد القديم (التوراة)، فقد بدأت إنسانيتنا بمجرد تمايز الإنسان عن الطبيعة المحيطة، أي رمزيًا بمجرد خروج الإنسان من جنة عدن. بدأت إنسانيتنا بتمايز الأخ عن أخيه، وبقتل الأخ لأخيه[22].

فالإنسان الذي، من أجل أن يحقق أناه، تمايز عن الذات الكونية – ما نصطلح على تسميته بالخطيئة الأصلية – أخطأ وقتل شقيقه. ولكن، وأيضًا، هذا هو الأهم، نلاحظ وفي نفس التوراة أن الألوهة قد حمته رغم ذلك. وأتساءل عن الحكمة من هذا؟ وأتفكر أن هذا كان ربما لأنه من المفترض أن يعود هذا الإنسان من خلال اكتشاف نفسه وعالمه إلى تلك الذات الكونية من جديد.

ويعاود الإنسان، الذي يكتشف نفسه كل يوم، اكتشاف علاقته بالطبيعة. هذه الطبيعة التي إن مثلناها بالشجرة مثلاً سرعان ما نكتشف بأن ما نسميه كذلك (أي تلك الشجرة)...

ليست... انطباعًا ولا لعبة من ألاعيب خيالـ(نا)، كما أنها ليست قيمة ذات علاقة بمزاجـ(نا)؛ إنما هي تتجسد قبالـ(نا) وتتفاعل معـ(نا)، كما (نـ)تفاعل (نحن) معها – ولكن بشكل مختلف[23].

وكذلك الأمر أيضًا فيما يتعلق بعلاقة الإنسان بالحيوان الذي يفترض أن نحترمه وأن نكون على علاقة تواصل كياني معه. وهذا تمامًا هو ما عبَّر عنه مارتن بوبر حين قال إن...

كل علاقة حقيقية، مع أي كائن أو مع أية حياة في هذا العالم، هي علاقة حصرية. لأنه من خلالها تتحرر الـأنت الخاصة (بتلك العلاقة)، فتتجاوزها... وتواجهـ(ها)...[24]

وهذه العلاقة الحصرية، حتى حين تُفتقد مقدرة التواصل الكلامي بين الإنسان وبين ذلك الذي ليس بمقدوره الكلام مثله، ذلك الذي نفترضه كائنًا أدنى؛ تتحقق بوسائط أخرى. من خلال ومضة نظرة متبادلة بينه وبين هذا الحيوان مثلاً...

فدوران العالم الذي أدخل الحدث العلائقي يتبعه مباشرةً تقريبًا ذلك الآخر الذي ينهيه. أقصد عالم الـ(الآخر) المحبط بالحيوان وبي أنا، فخلال لحظة هذه الومضة يشرق عالم الـ(وحدة الكونية) من الأعماق، لينطفىء فورًا ويعود (عالم الآخر من جديد)...[25]

وأتفكر، مرةً أخرى، أن كل هذه طبيعي ومفهوم. ولكن، ما الذي حصل، وتحديدًا على صعيدنا البشري فجعلنا اليوم أبعد، من أي يوم مضى، من تلك الوصية الأساسية التي تنهانا عن القتل والتي ارتقت من ثمَّ على يد السيد المسيح لتصبح "أحبب عدوك"؟

وتجدنا مضطرين، في محاولتنا لفهم ما جرى وما يجري على صعيدنا الإنساني، إلى الغوص في المزيد من التعقيد. حول هذا الموضوع يقول مارتن بوبر:

على الأقل حول هذا النقطة، يتفق تاريخ الفرد مع تاريخ الجنس البشري، ومهما كان شكل الشراكة بينهما، على أنهما يعكسان تزايدًا تدريجيًا في عالم الـهو...

أي في ذلك العالم الذي تمايزنا فيه عن الآخرين الذين أصبحوا بالنسبة لنا كالإشياء التي نحددها بشكلٍ أساسي بصفاتها الخارجية وبالزمان والمكان. وأتفكر بأن هذا التزايد الواقعي والطبيعي يوصلنا، و...

بشكل يتناسب مع الازدياد في مدى عالم الـهو، (إلى ازدياد في) إمكانيات التجربة وإمكانيات الاستخدام. فيصبح بوسع المرء، بشكل مؤكد، استبدال التجربة المباشرة بالتجربة غير المباشرة، واكتساب الموضوعات المعرفية، كما يصبح بوسعه أكثر وأكثر اختزال استعماله للعالم ليجعل منه "استخدامًا" تخصصيًا؛ ومع ذلك، يبقى من غير الممكن، على مرِّ الأجيال، تجنُّب التطور المستمر لهذه الإمكانية. وهذا ما نعنيه عادة حين نتحدث عن التطور التدريجي للحياة الروحية. ففي هذا المجال، يكون ذنب الخطيئة الفعلية للخطاب تجاه الروح متضمنًا بلا شك (في قلب الخطاب)؛ لذلك غالبًا ما تكون "الحياة الروحية" عائقًا أمام تلك (الحياة) التي تعاش في الروح، وفي أحسن الأحوال يصبح على تلك المادة، التي تمَّ التحكم بها وصقلها، التوجه لتصنع تلك الحياة.

و(هذه المادة وفي نفس الوقت) هي العائق؛ لأن تطور إمكانية التجربة والاستخدام غالبًا ما يترافق مع انخفاض في مقدرة الإنسان على التواصل – تلك المقدرة التي بموجبها فقط يكون بوسع الإنسان أن يحيا حياة روحية.

الأمر الذي يعني، إن حاولنا تبسيط هذه الأفكار المعقدة، شيئين أساسيين:

-       أولاً: أنه، وعلى مرِّ التاريخ الإنساني، كان وسيبقى هناك، بحكم هذا التمايز الطبيعي، تزايد مضطرد ومستمر في عالم الـهو، أي في عالم ذلك الذي نفترضه على صعيدنا الإنساني آخرًا وأضحى متمايزًا عنَّا. إن لم نقل أضحى يبدو وكأنه مجرد شيء بالنسبة لنا. و

-       ثانيًا: أن هذا التزايد الطبيعي يجب تفهمه جيدًا وتجاوزه (بمعنى الارتقاء في فهمنا له) لأنه يفترض دائمًا انخفاضًا في مقدرة الإنسان على التواصل مع ذاته ومع "الآخرين". لأنه، وهذا هو الأساس...

-       ثالثًا: من دون هذا التواصل ليس بوسعنا أن نحيا في الروح، وأن نفهم من خلالها أن كل ما في الكون واحد ومتكامل.

وهذا ما حصل على مرِّ التاريخ البشري، وتأكَّد بشكل خاص في عصرنا الحديث من خلال سيطرة عالم الأشياء على الإنسان وعلى حياته. فأضحى كل شيء مادة وأضحت أناه الخاصة، بهذا الشكل أو ذاك، أسيرةً لهذا العالم المادي الذي حوَّل العلاقة من علاقة بين الإنسان وبين ذاته من خلال الطبيعة والحياة مع البشر، إلى علاقة مع أشياء ومع مقتنيات. لأن زماننا مريض جدًا أيها السادة. ولأن...

ما يحصل في الأزمنة المريضة، هو أن عالم الـهو (الآخر)، الذي لم يعد مخترقًا ومستغلاً كالتيارات الحيَّة من قبل عالم الـأنت (الذات) المتدفقة، أضحى منعزلاً وراكدًا كشبح مستنقع عملاق، يقهرُ الإنسان. وحين يتوصل عالم الـهو إلى تفاهم مع عالم أشياء لم يعد باستطاعة الكائن الحاضر تحملها، يستسلم الإنسان لهذا العالم.

وهذا ما يحصل اليوم ويجعلنا نبرر كل شيء، بما في ذلك أشنع الجرائم، وبما في ذلك القتل. ونعود إلى وصية "لا تقتل" فنفصِّل قليلاً في استعراض واقعنا، ونتذكر...

-       أولاً: ما نفعله بالطبيعة من خلال استثمارها الجنوني النابع من جشعنا ومن ركضنا وراء الربح، فنربط تلك الكوارث التي تنهال علينا بهذا الركض المحموم والجشع. وتجدنا بسبب هذا الجشع على وشك أن نقتل الحياة على هذه الأرض. وآخر الأمثلة على ذلك ما فعلناه بالأمس القريب في تشيرنوبيل وما فعلناه البارحة في خليج المكسيك. والوصية تقول "لا تقتل"، و...

-       ثانيًا: تجدنا من منطلق جشعنا وركضنا وراء الربح نحوِّل تلك المخلوقات الأضعف منا وغير القادرة على التواصل معنا عن طريق الكلام إلى مجرد أشياء، إن لم نقل إلى مجرد سلع الغاية الوحيدة منها هي تغذية ما ندعوه بصناعاتنا الغذائية. والوصية تقول "لا تقتل"، ونحن...

-       ثالثًا: من منطلق جشعنا ورغبتنا بالتسلُّط تجدنا نراكم الأسلحة ونتاجر بها (لأسباب نفترضها سياسية). والوصية تقول "لا تقتل"، ونحن...

-       رابعًا: من منطلق فهمنا المادي لدياناتنا وعقائدنا، تجدنا، ورغم كل التقدُّم العلمي الذي حققناه، غير قادرين على التواصل الحقيقي فيما بيننا، وبالأحرى مع تلك الأرض ومع ذلك الكون الذي يحتضننا، ومع تلك الذات (إن لم نقل تلك الألوهة) التي في أعماقنا...

4
في الثالث المشمول...

وأتساءل، من منطلق ما نعيشه من واقع، وكإنسان يحمل مفاهيم معينة ويتمتع بمستوى إدراك متواضع معين، هل بوسعنا أن لا نقتل فعلاً؟ هذا إن لم نقل: هل بوسعنا، كما دعانا السيد المسيح، أن نحبَّ بعضنا بعضًا كبشر وبغض النظر عن العرق أو اللون أو الدين أو العقيدة أو البلد؟ وبالتالي، هل من مخرج لحالتنا الراهنة ضمن إطار الواقع الذي نعيشه كبشر نختلف في شخصياتنا وفي مفاهيمنا وفي مستويات إدراكنا؟

وتجدني أحاول، مرةً أخرى، البحث عن تلك المنطقة الوسيطة التي بوسعنا فيها أن نلتقي جميعنا، من أجل أن نخرج كلنا معًا من هذا الوضع الذي قد يبدو للوهلة الأولى ميؤسًا. لأن هذه الوصية العظيمة، لأن "لا تقتل"... كأية وصية وكأي مبدأ سامٍ...

... ليست صيغةً ثابتة من أجل الإيثار، (صيغة) لا تقبل التغيير، ويمكن أن تُدرََّس في المدارس. لأنه لا وجود للإيثار في الطبيعة...

كما قال محقًا هرمن هسِّه. وأتفكر – مرةً أخرى مع مارتن بوبر – أنه بالنسبة لنا كبشر وكإنسانية...

... لم يعد ممكنًا العودة إلى الوراء، إنما في لحظة الحاجة الأعمق هناك (دائمًا) حركة آنية لا يمكن تخيلها نحو الداخل ونحو الخارج...

وأتفكر بأن هذه الحركة الآنية، التي عن طريقها يمكن أن نتلمَّس الحلَّ، يجب أن تبدأ قبل كلِّ شيء بحركة نحو الداخل...

لأننا غرقنا في المادية كما يقولون. لكن، أيضًا مع بوبر، سرعان ما تجدني أفكر من جديد بأن...

المادة ليست شرًّا (بحدِّ ذاتها). إنما هي تصبح شرًّا... إن افترضت امتلاك صفة الكائن الحاضر. إنها شرٌّ إن ترك الإنسان عالم الـهو، المتزايد باستمرار، يتجاوزه ويستحوذ على السرِّ فيحجب عنه واقع أناه الخاصة، الأمر الذي يجعل الروح الشريرة تعلو عليه وتحتضنه. ويجعل الأشباح التي في داخله تهمس كل واحدة للأخرى معترفةً بعدم الخلاص.

ما يعني أنه إذا ترك الإنسان هذا العالم، الذي تحوَّلت فيه كل الكائنات إلى ما يشبه الأشياء، يتملكه، فإنه لا يعود بوسعه التوجه نحو الداخل ولا معرفة ذاته الحقيقية.

وتجدنا في محاولة لأن نتوجه فعلاً نحو الداخل من أجل التعرُّف الفعلي على تلك الذات الكونية التي في داخلنا، نعاود، وبكلِّ براءةٍ وسذاجة، التساؤل من جديد...

عن أية ذات ترانا نتحدث يا ترى؟ وعن أي طريق بوسعنا أن نجدها وأن نلاقيها؟ وتجدنا على أرض الواقع أمام سيلٍ بليغ من الروحانيات التي تقدم لنا كل يوم في محاولات حاذقة لإرشادنا إلى الطريق. آه...

كم من الروحانية البليغة والحاذقة ينفق اليوم في محاولة لتجنب، إن لم نقل لمنع، هذا الحدث!

(وهذا الحدث) هو، أولاً وقبل كلِّ شيء، التواصل مع ذاتنا الإنسانية من أجل التعرُّف الحقيقي عليها. وبالتالي، من خلالها، من أجل التعرُّف على نفس هذه الذات الحقيقية والخاصة في كلِّ إنسانٍ وفي كلِّ الخليقة.

وأتفكر أنه ما لم يتحقق هذا، أو لنقل ما لم نسعى إلى تحقيق هذا الهدف، فإن عالمنا سيبقى مجرَّد عالم أشياء ومصالح. وفي مثل هذا العالم سنبقى نتصارع وسنبقى نتقاتل.

وهذا ما يدفعني لأن أتفكر، ومن نفس المنطلق، بأن الأنا، التي هي في نفس الوقت الذات التي تخصُّني، لا يمكن أن تصبح واعيةً لذاتها ما لم تكن شريكةً في الكيان. لأن هذه الشراكة، إن لم نقل هذه العلاقة، هي التي تجعلها واعيةً لذاتها ككائن. فالفرق كبير جدًا بين وعي أنا الإنسان لذاته من خلال علاقته مع ذاته الخاصة ومع كلِّ ذات، وبين وعي الشخصية المتمايزة والمنفصلة عن الواقع لذاتها. فالشخصية حين تنقطع عن العلاقة وتتمايز، سرعان ما تصبح متضخمة. ما يعني بأن هذه...

... الشخصية (ستعي) ذاتها من حيث أنها كذا – و – كذا لا أكثر. فالفرد يقول "أنا"، بينما الشخصية تقول أنا "كذا – و – كذا". و"اعرف نفسك" تعني بالنسبة للفرد "اعرف نفسك ككائن"، أما بالنسبة للشخصية فهي تعني "اعرف هذا الكائن الخاص"...

لأن الشخصية تصبح بعيدة كلَّ البعد عن الكائن الحقيقي، حين تتمايز وتبتعد عن الآخر. أي حين تنقطع عن العلاقة. وحين تنقطع العلاقة، لا بدَّ من أن يبقى الصراع ولا بدَّ من أن يبقى القتل.

وأتابع التفكير في العمق باحثًا عن ذلك الثالث المشمول الذي لا مخرج إلا عن طريقه. فأتفكر فيما يطرحه البعض – وهو ليس خطأً – بأن علينا أن نتخلى عن نظرتنا المادية للعالم وأن نعود إلى الروح في المقابل.

وتراني، بكلِّ سذاجة، أتساءل عن الروح وعن ماهيتها. لأني وأعذروني لسذاجتي أيها الأصدقاء، ورغم أني أؤمن بوجود الروح وأشعر بها في كل لحظةٍ من حياتي، إلا أني حتى هذه اللحظة لم أستطع تحديد ماهيتها بدقة. وأجدني بهذا الخصوص أتفهم ما ورد على لسان الحق في القرآن الكريم حيث جاء:

ويسألونك عن الروح، قل الروح من أمر ربي، وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً[26].

أما من الناحية الفلسفية، فأجدني أقرب إلى ما يطرحه حولها مارتن بوبر حين يقول بهذا الخصوص إن:

الروح كظاهرة إنسانية، هي استجابة الإنسان للـأنت الخاصة به... إنها ليست كالدم الجاري في داخلك، إنما هي كالهواء الذي فيه تتنفس. يحيا الإنسان في الروح إن كان قادرًا على الاستجابة للـأنت الخاصة به. وهو يكون قادرًا على ذلك، إن أقام علاقةً مع الكائن الكلِّي الخاص به. لأنه فقط بفضل مقدرته على إقامة هذه العلاقة، يكون قادرًا على الحياة في الروح.

وأتفكر بأن هذا الفهم يعني، على صعيدنا الشخصي والعملي، أن لا حاجة، لا بل أن لا يجوز، من أجل تفهم ذاتنا، لأن نتعالى عن العالم المادي والحسِّي. ما يعني أنه لا حاجة، من أجل التحقق من الروح التي في ذاتنا، لأن نضع هذا العالم المادي والحسِّي جانبًا فنتعامل معه وكأنه عالم وهمي غير موجود...

لأنه لا يوجد عالم وهمي، إنما هناك فقط عالم قائم بذاته – أي هذا (العالم) الذي يبدو لنا ثنائيًا الأمر الذي يتفق مع موقفنا الثنائي (منه). وما يجب إزالته هو فقط ذلك الجدار الفاصل (بيننا وبين هذا العالم).

وإزالة الجدار الفاصل بيننا وبين العالم لا يمكن أن يتم إلا من خلال العلاقة التي هي في المحصلة تلك المنطقة الوسطية، ذلك الثالث المشمول، حيث بوسعنا كبشر تفهم ذاتنا وعيشها في قلب هذا العالم.

... فالغاية من العلاقة هي العلاقة مع الذات الخاصة، بمعنى الصلة مع الـأنت، لأنه من خلال العلاقة مع كل أنت تحركنا هناك نسمة تلك الـأنت، التي هي، الحياة الأزلية.

(وأيضًا لأن) من يتخذ موقفه في العلاقة يشارك في واقع، أي مع كائن لا يكون ملكًا له فقط ولا يكمن خارجه فقط. لأن كل واقع هو فعل أشارك فيه من دون أن أكون قادرًا على تملُّكه لنفسي. فحيث لا توجد مشاركة لا يوجد واقع. وحيث يوجد تملُّك ذاتي لا يوجد واقع. وبمقدار ما يكون هناك اتصال مباشر بالـأنت، بمقدار ما تكون المشاركة أكثر كمالاً.

(فـ)تكون الـأنا حقيقية بمقدار ما تشارك في الواقع. وبمقدار ما تكون مشاركتها أكمل بمقدار ما تصبح الـأنا أكثر واقعية...

وأتفكر بأنه فعلاً...

لا يجد البشر الله إن بقوا في هذا العالم. ولا يجدوه إن تركوا العالم. إنما ذلك الذي يذهب بكلِّية كيانه لملاقاة الـأنت ويحمِّلها كلَّ كائنات العالم يجده حيث لا يخطر له على بال.

ما يعني على أرض الواقع أنه...

-       أولاً: عن طريق العلاقة الفعلية مع الذات، ومن خلالها مع كلِّ ذات، ينتفي العنف وينتفي القتل وتسود المحبَّة كمحصِّلة حاصل. و...

-       ثانيًا: أن هذا يتطلب ارتقاءً في وعينا وفي نظرتنا إلى أنفسنا وإلى العالم. ارتقاءً يجعلنا نختتم مع مارتن بوبر أنه...

من دون هو (أي من دون آخر) لا يستطيع المرء أن يعيش. لكن الإنسان الذي يعيش معه كـهو (أي آخر) فقط ليس إنسانًا.

وفي النهاية أقول إن كلَّ ما قدَّمته وكلَّ ما ذهبت إليه في هذه المحاولة يبقى مجرَّد وجهة نظر إنسان سمح لنفسه بأن يفكر وأن يحلم.

وشكرًا لإصغائكم...

*** *** ***


 

horizontal rule

[1]  فقال الله نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا فيتسلطون على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى البهائم وعلى كل الأرض وعلى جميع الدواب التي تدبُّ على الأرض. خلق الله الإنسان على صورته، على

صورة الله خلقه، ذكر وأنثى خلقهم. وباركهم الله وقال لهم اثمروا واكثروا واملأوا الأرض وأخضعوها وتسلطوا على سمك البحر وعلى طيور السماء وعلى كل حيوان يدبُّ على الأرض. وقال الله إني قد أعطيتكم بقلٍ يبرز بزرًا على وجه كلِّ الأرض فيه ثمر شجر ليكون لكم طعامًا، ولكل حيوان الأرض، وكل طير السماء، وكل دابة على الأرض فيها نفس حية أعطيت كل عشب أخضر طعامًا.

[2]  إذا داست قدمك عش طائرٍ في الطريق في شجرةٍ ما أو على الأرض فيه فراخ أو بيض والأم حاضنة الفراخ أو البيض فلا تأخذ الأم مع الأولاد. أطلق الأم وخذ لنفسك الأولاد لكي يكون لك خير وتطيل الأيام.

[3]  الصديق يرعى نفس بهيمته أما مراحم الأشرار فقاسية.

[4]  من ضرب إنسانًا فمات يقتل قتلاً لكنَّ الذي لم يتعمَّد بل أوقع الله في يده فإنا نجعل له مكانًا يهرب إليه، وإذا بغى إنسان على صاحبه ليقتله بغدرٍ فمن عند مذبحي تأخذه للموت.

[5]  وإذا أمات أحد إنسانًا فإنه يقتل.

[6]  وإذا زنى رجل مع إمرأة فإذا زنى مع إمرأة قريبه فإنه يقتل الزاني والزانية...

[7]  إذا وجد رجل مضطجعًا مع إمرأة زوجة بعلٍ يقتل الإثنان: الرجل المضطجع مع المرأة والمرأة. فتنزع الشرَّ من إسرائيل. إذا كانت فتاة عذراء مخطوبة لرجل فوجدها رجل في المدينة واصطجع معها

فاخرجوهما كليهما من باب تلك المدينة وارجموهما بالحجارة حتى يموتا. الفتاة لأنها لم تصرخ في المدينة والرجل لأنه أذل امرأة صاحبه. فينتزع الشرُّ من وسطك.

[8]  حين تقترب من مدينةٍ لكي تحاربها استدعها إلى الصلح. فإن أجابتك إلى الصلح وفتحت لك فكلِّ الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير ويستعبد لك. وإن لم تسألك بل عملت معك حربًا فحاصرها.

وإذا دفعها الربُّ إلهك إلى يدك فأضرب جميع ذكورها بحدِّ السيف. وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة، كل غنيمتها، فتغتنمها لنفسك وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاها الربُّ إلهك...

[9]  وكلَّم الربُّ موسى قائلاً: كلِّم بني إسرائيل وقل لهم إنكم عابرون الأردن إلى أرض كنعان فتعينون لأنفسكم ملجأً لكم ليهرب إليها القاتل الذي قتل نفسًا سهوًا. فتكون لكم هذه المدن ملجأً من الولي لكيلا يموت

القاتل حتى يقف أمام الجماعة للقضاء...

[10]  ... وهذا هو حكم القاتل الذي يهرب إلى هناك فيحيا. من ضرب صاحبه بغير علم وهو غير مبغض له منذ أمس وما قبله. ومن ذهب مع صاحبه في الوعر ليحطب حطبًا فاندفعت يده بالفأس ليقطع الحطب

وأفلت الحديد وأصاب صاحبه فمات فهو يهرب إلى إحدى تلك المدن فيحيا...

[11]  ... ورأى الربُّ أن شرَّ الإنسان قد كثر في الأرض. وأن كلَّ تصور أفكار قلبه إنما هو شرير كل يوم. فحزن الرب أنه عمل الإنسان في الأرض. وتأسف في قلبه. فقال الربُّ أمحو من وجه الأرض

الإنسان الذي خلقته. الإنسان مع بهائم ودابات وطيور السماء. لأني حزنت أني عملتهم. وأما نوح فوجد نعمة في عيني الرب...

[12]  ... وإذا أشرقت الشمس على الأرض دخل لوط إلى صوغر. فأمطر الربُّ على سدوم وعمورة كبريتًا ونارًا من عند الرب من السماء. وقلب تلك المدن وكلّ الدائرة وجميع سكان المدن ونبات الأرض.

ونظرت امرأة لوط من ورائه فصارت عمود ملح...

[13]  إنجيل متى، فصل 5 – 9.

[14]  هرمن هسِّه، ماذا لو إستمرت الحرب؟

[15]  في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله والكلمة كان هو الله...، إنجيل يوحنا 1: 1.

[16]  مارتن بوبر، أنا وأنت – الجزء الأول.

[17]  بمعنى هذه الذات الكلِّية التي تجعلني أنا وأنت واحدًا.

[18]  سفر التكوين 22: 1 – 12.

[19]  مارتن بوبر، أنا أنت – الفصل الثالث.

[20]  سفر التكوين 1: 26-30.

[21]  سفر التكوين 9: 4-6.

[22]  سفر التكوين 4: 1.

[23]  مارتن بوبر، أنا وأنت – الجزء الأول.

[24]  مارتن بوبر، أنا وأنت – الجزء الثالث.

[25]  المرجع السابق.

[26]  سورة الإسراء، الآية 85.

 

 الصفحة الأولى

Front Page

 افتتاحية

                              

منقولات روحيّة

Spiritual Traditions

 أسطورة

Mythology

 قيم خالدة

Perennial Ethics

 إضاءات

Spotlights

 إبستمولوجيا

Epistemology

 طبابة بديلة

Alternative Medicine

 إيكولوجيا عميقة

Deep Ecology

علم نفس الأعماق

Depth Psychology

اللاعنف والمقاومة

Nonviolence & Resistance

 أدب

Literature

 كتب وقراءات

Books & Readings

 فنّ

Art

 مرصد

On the Lookout

The Sycamore Center

للاتصال بنا 

الهاتف: 3312257 - 11 - 963

العنوان: ص. ب.: 5866 - دمشق/ سورية

maaber@scs-net.org  :البريد الإلكتروني

  ساعد في التنضيد: لمى       الأخرس، لوسي خير بك، نبيل سلامة، هفال       يوسف وديمة عبّود