المـقـال الافتراضـي

 

ناجي الخشناوي

تونس

 

نؤكِّد من جديد التزامَنا بمبادئ حريَّة الصَّحافة وحرِّية المعلومات، وكذلك بمبادئ الاستقلال والتَّعدُّديَّة والتَّنوُّع، وهي عناصر جوهريَّة في مجتمع المعلومات. ومن الأمور الهامَّة في مجتمع المعلومات حرِّية التماس المعلومات وتلقِّيها وإذاعتها واستعمالها لإحداث المعرفة وتراكُمها ونشرها.[1]

ينبغي على مجتمع المعلومات أن يحترم السِّلم وأن يدافع عن القيم الأساسيَّة، مثل الحرِّية والمساواة والتَّضامن والمسؤوليَّة المشتركة واحترام الطَّبيعة.[2]

 

لنفترض أنَّه عندما طَرَقَ الصَّباحُ بابَ غرفتي الباردة، حوالى السَّاعة السَّابعة إلاَّ عشرين دقيقة، استقبلتُ يومي بكلِّ تفاصيله، بدءًا من صوت فيروز ينهمر على مسامِّ جسمي من كلِّ الجهات، إلى أن استقبلني رئيسُ تحرير الجريدة الوحيدة الَّتي قبلتْ نشرَ مقالي دون أدنى تحفُّظ.

بعد أن أعلمني رئيسُ التَّحرير أنَّ قرَّاء الجريدة افتراضيُّون، وأنه لا خوف من مقصِّه ولا من الرَّقابة الأمنيَّة، وطمأنني أنَّ عقابي – إنْ حَدَثَ – سيكون افتراضيًّا (فإنْ طُرِدتُ من عملي فافتراضًا، وإنْ سُجِنتُ وحوكمتُ صوريًّا فافتراضًا أيضًا) – طمأنني بهذا إذا ما أنا كتبت، فوق ورقاتي الافتراضيَّة، أمورًا تتعلق بقمع الرَّأي ومصادرة حرِّية التَّعبير وإلجام الحناجر عن "الصراخ" داخل أسوار الجامعات والكلِّيات، وعسكرة الشَّوارع، وانتهاك الحُرُمات الجسديَّة والمعنويَّة للمواطنين العاديِّين بترصُّد خطواتهم واعتقالهم ومطاردتهم وحظر تجوُّلهم وسط الشَّوارع، ومراقبة حركاتهم وسكناتهم داخل المقاهي وبين جدران الحانات، وإجبارهم – في المخافر، تحت الرَّكل والشَّتم طبعًا! – على الالتزام بعدم التَّعبير عن آرائهم مطلقًا وطلب العفو، كتابيًّا، عن نيَّتهم في التَّظاهر سلميًّا! (إذ من أوكد شروط استمرار الأنظمة الافتراضية مدى الحياة الكشفُ عن نوايا المواطنين ومصادرتها فورا!)

طمأنني رئيسُ التَّحرير – بل شجَّعني – لئلاَّ أتردَّد في القيام بتحقيقات ميدانية عن العاطلين المنثورين في المقاهي، والمتسوِّلين المبعثَرين في المنعطفات والأزقَّة، واللُّصوص المترصِّدين لفرائسهم في وسائل النَّقل العمومي؛ بل نبَّهني إلى إمكانيَّة إجراء حوار مع فتيات الأرصفة ليتحدَّثن عن تجاربهنَّ ومغامراتهنَّ في الملاهي اللَّيليَّة وتحت أشجار الطُّرقات السَّريعة أو فوق سطوح البنايات المظلمة...

بعد أن أعلمني رئيسُ التَّحرير – إعلامًا افتراضيًّا – بكلِّ ما أسلفتُ ذكره [وبما نسيه الرَّاوي أيضًا، أو تعمَّد نسيانه ربَّما]، تبدَّدتْ هواجسي وتماسكتُ في ارتباكي الَّذي كان يطوِّقني. نهضت ومددت كفِّي للسيِّد رئيس التَّحرير مهنِّئًا إيَّاه على جرأته وشجاعته في الدِّفاع عن حرِّية التَّعبير عن الرَّأي وعلى احتضانه الأقلام الحرَّة والأفكار الحرَّة والحرِّية الحرَّة... صافحتُه بحرارة أسطوريَّة، حتَّى إنِّي لم أخجل عندما استدرت خلف مكتبه من الجهة اليسرى واتَّجهت نحوه أقبِّل جبينه بحرارة مضاعفة وتلقائيَّة لم أعهدها في نفسي من قبل.

لم أصدِّق عينيَّ وهما تشرئبَّان نحو ذراعيه القويَّتين. رأيتهما تنفتحان على اتساعهما وتضمَّان صدري النَّحيل إلى ربطة عنقه المتدلِّية فوق بطنه المنتفخة، حتَّى خلت نفسي سألجه من الأمام أو ستبتلعني أمعاؤه! ولم أصدِّق حروفه القويَّة المتناثرة مع بصاقه اللَّزج تنسكب كالضوء في ثقب أذني اليمنى عندما قال لي: "أنت الصَّحافي الَّذي تحتاجه جريدتنا وتفتقده صحافتنا"، حتَّى خيِّل إليَّ – ونحن متعانقان هكذا – أنَّنا سننخرط في نوبة بكاء فرحًا بلقائنا، وكأنَّنا عاشقان فكَّا أزرار خجلهما وباحا بعشقهما، شعرًا ومجازًا، فوق صخرة سكَّريَّة دغدغتْ حبيباتِها أمواجُ بحر شتوي.

عدَّل ربطة عنقه الحمراء عندما رنَّ جرسُ الهاتف فوق مكتبه العريض. تَرَكَه يرنُّ طويلاً، إلى أن استويت أنا في مقعدي قبالته – أين كنت أجلس – وانشغلت بمحفظتي الجلديَّة أقلِّب محتوياتِها عشوائيًّا لأتركه يحادث مخاطبه، ولم أتفطَّن إلى انقطاع الرَّنين ولا إلى الحركة السَّريعة والمرتبكة لأصابع رئيس التَّحرير فوق أزرار جهاز الحاسوب المنتصب حذوه.

رفعت بصري من أمام المحفظة المفتوحة وقلت له وأنا ألاحق الحروف المتطايرة من حلقي:

-       مقالي افتراضي... لم أكتبه على ورق أبيض.

التقط كلمتَي "ورق أبيض" من صوتي وقال:

-       طبعًا، طبعًا... فجريدتنا افتراضيَّة، لا تُرقَن على الورق الأبيض...

صمت قليلاً وهو يتفرَّس في تبدُّل ملامحي، وأضاف:

-       بما أنَّ قرَّاءنا افتراضيون، فإنَّ جريدتنا افتراضيَّة، ولا تقبل إلاَّ المقالات الافتراضيَّة...

لمح بريقًا في عينيَّ، فابتسم نصف ابتسامة كشفتْ عن بياض أسنانه، وأضاف:

-       ومن حسن حظِّك أنَّ مقالك يخضع لمقاييس النَّشر لدينا.

اتَّسعت عيناي أكثر حتَّى لمحتُ بريقهما منعكسًا كأشعَّة شمس هذا الصِّباح في عينَي رئيس التَّحرير، وكدت أن أعاود الرَّكض خلف مكتبه... لكنْ لم أشعر كيف خَفَتَ بريقُهما فجأة وانقبض قلبي بمجرَّد أن سمعت وقْعَ خطوات قويَّة قادمة من الرِّواق المفضي مباشرة إلى المكتب الَّذي نحن فيه... خطواتٍ واثقة وحاسمة، تقترب نحونا بسرعة.

حاولت أن أهدِّئ من روعي باستئناف الكلام مع رئيس التَّحرير. غير أنَّي بمجرَّد أن رفعتُ بصري نحوه لم ألمح لا وجهه الَّذي كان مشرقًا منذ ثوانٍ، ولا ربطة عنقه المتدلِّية فوق بطنه... فقط تراءت لي أصابعُه الخشنة تمسك بطرفَي جريدة كبيرة، أكبر من وجهه وبطنه، جريدة ورقيَّة كُتِبَ أعلى صفحتها من جهة اليسار باللَّون الأحمر "حرِّية"!

خطوات الأقدام أسقطت قلبي وسط أمعائي من هَوْل وَقْعِها الَّذي صار كالطَّبل يدقُّ داخل ثقبَي أذنيَّ... وبعدها لم أتذكَّر ما حدث.

***

تعالت أصواتُ محرِّكات السَّيارات والحافلات في الخارج، خارج غرفته. تقلَّب فوق فراشه أكثر من ساعة تقريبًا، إلى أن رنَّ جرسُ المنبِّه المركون فوق المنضدة المحاذية. [جرس المنبِّه صار يذكِّره دائمًا فيما بعد – على ما أذكر – بهاتف رئيس التَّحرير.] رنَّ المنبِّه في تمام السَّاعة السَّابعة إلاَّ عشرين دقيقة. مدَّ ذراعه من تحت اللِّحاف وأسكت الجرسَ المصرَّ على الرَّنين، وبحركة آليَّة، شغَّل قارئ الأسطوانات ليستقبل، ككلِّ صباح، صوتَ فيروز يتسلَّل إلى مسام جسمه.

انزلق رأسُه تحت العباءة، ومعه صوت فيروز، ليمضي العشرين دقيقة الفاصلة عن السَّاعة السَّابعة، محاولاً، كعادته دائمًا كلَّ صباح، أن يمتصَّ رغبتَه في الاستغراق في النَّوم ويطرد الكسل عن مفاصله المرتخية.

لم تمضِ ثلاث دقائق تقريبًا حتَّى ألفى نفسه محاطًا بأكثر من عشرة أشخاص جلسوا كلُّهم أمام حواسيب ذات شاشات مسطَّحة داخل قاعة فسيحة قُسِّمت مساحتُها بحواجز من البلُّور الرَّمادي، بلُّور سميك يرتفع بين الحاسوب والآخر. وكان يجلس حذو بابها رجلٌ وسيم بملابس أنيقة، مرتَّبة في عناية وتنمُّ عن ذوق رفيع، يملي – على ما يبدو – جملةَ أوامر من جذاذة حمراء بين يديه. [عثر الرَّاوي على نسخة منها في وقت لاحق، وقد شحبت حمرتُها واهترأت حواشيها.]

كانوا كلُّهم يضعون آلاتٍ صغيرة، بحجم حبَّة القمح، داخل آذانهم، تربطها أسلاك ذهبيَّة بأجهزة الحواسيب المنتصبة أمامهم، ويستقبلون بتلك الآلات أوامر الرَّجل الأنيق، الَّذي اختلط صوتُه مع صوت فيروز.

عندما أرهف السَّمع، التقط جُمَلَ الرَّجل الَّتي تندفع من حلقه واضحة وحازمة. وقال:

-       علينا أن نجعله أعجوبةً لا تُنسى، ليكون عبرةً لمن يجترئ على عرشنا ومملكتنا... ولهذا سنفصل، أوَّلاً، رأسه عن جثَّته ونستبدل به محرِّك البحث "غوغل" أو "عجيب". ثمَّ سنمزِّق المتبقِّي من جسمه، في مرحلة ثانية، ونوزِّع أعضاءه على مختلف المواقع الإلكترونيَّة الَّتي أحدثناها.

صمت قليلاً، مركِّزًا بصره على الرِّجال المتراقصة أصابعهم فوق أزرار الحواسيب، ثمَّ استأنف كلامه:

-       ولئلاَّ نسيء إلى صورتنا، فإنَّنا سنتركه ينشر مقاله الافتراضيَّ ذاك في أكثر من جريدة ومجلَّة دون تتبُّعه، وخاصَّة خارج حدود مملكتنا، لنبرهن أنَّنا نؤمن فعلاً بحرِّية الصَّحافة وندافع عن القيم الأساسيَّة لمجتمع المعلومات.

***

حوالى السَّاعة الثَّامنة إلاَّ عشر دقائق صباحًا، كان يحتسي قهوته مع زميل له داخل مشربة الشَّركة الَّتي يشتغل فيها كتقني إعلاميات. تردَّد قليلاً، ثمَّ اقترب منه أكثر وأخفض صوته. [وهنا قطع الرَّاوي أنفاسه، وأصاخ السَّمع قليلاً ليُلِمَّ بتلابيب الحكاية الَّتي رواها لزميله.] أخفض صوته، ودسَّ له في إحدى أذنيه كلامًا مرتبكًا التقط الرَّاوي منه هذه الجملة اليتيمة:

-       كلُّ شيء يمكن لنا أن نصيِّره واقعًا افتراضيًّا... ماعدا صوت فيروز ووَقْع أقدام الجنود.

إشارة أخيرة:

إعلان افتراضي

لكلِّ قارئ أن يضيف ما شاء إلى مسوَّدة هذه القصَّة ويرسل إضافته إلى عنوان الجريدة الافتراضي التَّالي: iftaredhe@yahoo.fr

*** *** ***


[1] البند 55 من "إعلان المبادئ لبناء مجتمع المعلومات"، القمة العالمية، جنيف 2003، منشورات الأمم المتحدة والاتحاد الدولي للاتصالات.

[2] المصدر نفسه، البند 56.

 

 الصفحة الأولى

Front Page

 افتتاحية

Editorial

منقولات روحيّة

Spiritual Traditions

 أسطورة

Mythology

 قيم خالدة

Perennial Ethics

 ٍإضاءات

Spotlights

 إبستمولوجيا

Epistemology

 طبابة بديلة

Alternative Medicine

 إيكولوجيا عميقة

Deep Ecology

علم نفس الأعماق

Depth Psychology

اللاعنف والمقاومة

Nonviolence & Resistance

 أدب

Literature

 كتب وقراءات

Books & Readings

 فنّ

Art

 مرصد

On the Lookout

The Sycamore Center

للاتصال بنا 

الهاتف: 3312257 - 11 - 963

العنوان: ص. ب.: 5866 - دمشق/ سورية

maaber@scs-net.org  :البريد الإلكتروني

  ساعد في التنضيد: لمى الأخرس، لوسي خير بك، نبيل سلامة، هفال يوسف وديمة عبّود