الإعلام والتنمية الثقافية

 

مروة كريدية

 

وسط اكتساح التكنولوجيا لوجودنا المعاصر، وفي خِضَّم غابة وسائل الاتصال وزحمة الفضائيات والمواقع الإلكترونية، وفي وقت يبدو المثقف الواعي في حيرة من أمره، ويسعى الى احتضان مفردات الثقافة والتقانة ومواكبتها؛ يجد المفكر الميديائي نفسه مطالبًا، وأكثر من أي وقت مضى، بتقديم رؤية إنسانية متكاملة تسهم في فتح أفق جديد ومغاير لدور الإعلام ووسائله ليتغلب على عطالته من جهة وليبدع فكرًا في عالم أمست فيه المعرفة إلزامًا يشبه الحتمية القدرية الى حدٍّ بعيد.

وتتميز وسائل الاعلام بقدرة عالية على شحن الطاقات وتفعيلها، وهو دور متعدد في وجه ومزدوج في آن، فإمَّا أن تتحول الشاشة إلى أداة فاعلة لبناء الإنسان ومن ثم خدمة مشاريع التنمية البشرية، أو تتحول إلى أداة تفتيت مدَّمرة بتغذية العنف والعصبيات وترويج صورة الإنسان المستهلك، وتصبح شاشة "القمامة ومواقع "التفاهة" أداة تسويق لثقافة طاعة الأيديولوجيات المتصارعة وتكريس العنف وتسويق الاستهلاك.

الثقافة والإعلام: حربٌ أم انفصام؟!

يُصَوِّر لنا العديد من "المثقفين" أن ثمَّة حربًا دائرة بين "ثقافة الشاشة" و"ثقافة الشعوب" والمجتمعات معتبرين أن وسائل الإعلام "شيء منفصل" عن "أصالة الثقافة"، وغالبًا ما يُعرب حرَّاس "الهوية" عن قلقهم وخوفهم من وسائل الإعلام والفضائيات، وأنها تعمل على تخريب الثقافة الراديكالية أو التي ترتبط بالتراث و"الدين" بشكل مباشر.

ولكن ما يمكن لنا سبره علميًّا وملاحظته عمليًّا هو أن العلاقة بين الثقافة والإعلام علاقة متحركة، والفصل بينهما، ولو شكليًّا، يُعد خطأ منهجيًّا وبنيويًّا، ويعيق عملية فهم تلك الحركة المتبادلة الدائرة بينهما.

فالإعلام، كما العادات كما التقاليد كما الدين، كسائر مفردات التركيبة المجتمعية تتقاطع مع بعضها البعض، ولا يمكن فهم واحدة منها بمعزل عن الأخرى. وعندما يحصل تنافر بين ثقافة الشاشة والثقافة المحلية أو الشعبية أو أي ثقافة أخرى فإننا نكون أمام انفصام ثقافي، وليس أمام حرب بين الثقافة والإعلام.

إن عملية الفصل تلك هي عملية واهمة، فوسائل الاتصال والإعلام تنخرط في جملة القيم التي تُنْتجُها الثقافة؛ والانفصام الثقافي ممكن أن يحصل بين أي مكونيْن، ذو مضامين متناقضة من مكونات ثقافة واحدة.

وبما أن من أهم خاصيات الرموز الثقافية هي اللامادية والانتقال السريع، كما أنها تتميز بإمكانية إخضاعها "للأدلجة" لدرجة مبالغة فيها، لأن من أبرز مقوماتها اللغة، والفكر بجميع مستوياته، والعلم والمعرفة، بالإضافة إلى العقائد والديانات والقيم والأعراف الثقافية؛ فإن وسائل الاعلام تُشكِّل عمليًّا التعبير الثقافي عن الإنتاج المعلوماتي.

إذن، السؤال المحوري هو: كيف يمكن لنا بلورة منتج معلوماتي قابل للصرف في سوق الثقافة "السوداء" العالمية؟

القيم الانسانية في عالم افتراضي

لاشك في أن الإنترنت يخلق فرصًا عظيمة وتهديدات مروعة، ويخطئ من يتصور أن هناك فئة "مستهدفة" من قبل "آخرين". فالكتاب "العرب" و"الإسلاميين" يصورون لنا دومًا التحديات على أنها تريد فقط تقويض ما يسمونه بـ"العروبة والإسلام" علمًا أن هذا الموضوع على ركاكته تجاوزه الوقت وعفا عليه الزمن.

إن التحديات الفعلية اليوم تتجاوز كل أطياف الألوان والألسنة والعقائد البشرية... إنه تحدي إنساني بامتياز. فنحن ولجنا عالمًا افتراضيًّا يستحيل فيه فعليًّا السيطرة على تدفق المعلومات. ونحن مطالبون اليوم – شئنا أم أبينا – بتوظيف وسائل الاتصال والمعلومات في تنمية "الإنسان" والقيم الإنسانية (أيًّا كان مصدرها)، وهو تحدي كوكبي وليس تحديًا فئويًا أو قوميًّا أو وطنيًّا يخص فئة معينة أو بلدًا معينًا.

إن ما يقوم به "الدعاة" من (حماة العقائد) في ترسيخ "مفردات ثقافة معينة" تحت ذريعة التنمية الثقافية والحفاظ على الهوية ومواجهة التحديات – في مقابل أو مواجهة "مفردات ثقافة الآخر"، هو عمل مدمِّر على المدى المتوسط وحتى القريب لأن مجابهة التحديات الثقافية لا يكون عبر توجيه النيران الأيديولوجية لمن جعلناه خصمًا لنا.

إذن، من الأجدى أن يتركز المنتج الفكري الإعلامي على قيم الحكمة الخالدة المشتركة التي تتجاوز كل الانقسامات الدينية والإثنية والمذهبية... والخروج التام من معسكرات الفكر والعقائد إلى أفق الإنسان الكوني بحيث يصبح دور التنمية هو إعادة التوازن لحياة الكائن البشري أينما وُجِد ولأي ملة انتمى.

إن التنمية، كمفهوم، يجب أن تُطرح من فلسفة تأخذ دينامية الحياة بعين الاعتبار وضرورة الحرص على انتظامها وتوازنها، إنْ من الناحية البيئية والطبيعية أو من الناحية الإنسانية، لتحقيق التوازن المختل للفرد والجماعة.

فالتنمية الإعلامية تتطلب وضع توازن الإنسان أول الأوليات بما يحقق الاصلاح السياسي (الحريات)، ووقف العنف، ومنع الصراعات، وضرورة إعادة الإعمار، وطرح خطط الطوارئ، والاهتمام بالبيئة والصحة... إلخ. وخطوة التنمية الأولى ربما تكون في الإقرار بأن انقلابًا ثقافيًا عميقًا مطلوبًا قد بدأ يتحقق، ويمكن أن نوجز ذلك بنقاط:

-       تطوير رؤية عن التنمية بمفهومها العام المرتكز على فلسفة تجعل توازن الإنسان والطبيعة الكونية فوق كل اعتبار. وذلك يتطلب عدم اختزال الإنسان في تعريف واحد، وتقليصه في بنية صورية واحدة. والتنمية ينبغي أن تواكب كافة مستويات الواقع وكافة المتغيرات. فالتنمية الاقتصادية ينبغي ألا تغفل روحية الإنسان، وأن تضع متغيراته النفسية في الحسبان، وعدم التعاطي معه بوصفه كائنًا مستهلكًا باحثًا عن المنفعة العاجلة واللذة الآنية.

-       تبني المفاهيم والقيم التي ترتكز على الحكمة الإنسانية المشتركة الخالدة المعبِّرة عن النضج النفسي والروحي للإنسان العاقل فيما يتعدى الزمان والمكان، فالتنمية البشرية تتطلب وعيًا كونيًا.

-       التحول عن العقلانية المفرطة إلى الحدس والكشف والنظر إلى المعرفة نظرة وجودية (العرفان).

-       المهمة التنموية – أيًّا كانت – لا تنطلق من مكان لتصل إلى آخر، إنها استراتيجية مهمة لإحداث التوازن بين عوامل ومتغيرات شديدة التعقيد، ودور التنمية يكمن في إعادة التوازن وفرز الوقائع عن الأباطيل، وتحقيق التوازن بين الآنة "اللحظة الآنية" والمحتمل "النظرة الاحتمالية".

-       ضرورة تأهيل البرامج الثقافية لتكون فاعلة، فإنقاذ الثقافي من أزمته والإعلامي من تكراره سيكون هو الأساس في إنقاذ السياسي من خرابه الأيديولوجي، وبالتالي تهيئة العوامل الموضوعية للحديث عن تنمية ثقافية فاعلة (انقلاب ثقافي).

-       التنمية البشرية تتطلب "وعيًا" وتفترض وجود ذهنية منفتحة تتجاوز الغلو في الصورية وتتجاوز صفة الإطلاق على الموضوعية.

-       مهمة التنمية الثقافية ينبغي أن تنطوي على ثقافة تؤسس لاحترام الإنسان وحقوق الكائنات البشرية بالدرجة الأولى، وهو ما يحتاج إلى جهد طويل ومنهج يهدف إلى تنمية المهارات والملكات النفسية والروحية والفكرية التي تتيح للفرد تبني اللاعنف كموقف. وفي هذا السياق يقول جون ماري مولر:

إن تنمية ثقافة لاعنفية يعني البحث عن سُبُل تطبيق لاعنفي لنفوذ السلطة autorité في جميع مواقف المَقْدرة pouvoir. وبهذا فإن ثقافة اللاعنف تكف عن الفصل بين الحياة الخاصة والحياة السياسية، لا بل تتيح الجمع بينهما أخيرًا في مناقبية واحدة.

وهذا يتطلب العمل على عدم تسويغ العنف، وتفكيك أيديولوجيا الإرهاب والعنف، والكف عن تصوير الأعمال البطولية.

-       التنمية الإعلامية تكون بالخروج عن دائرة المردودية المالية المباشرة إلى الوعي الذي يترجم عبر المصالح الإنسانية بحيث يضع في حسبانه أيضًا المصلحة الروحية للكائن الإنساني ومصلحة البيئة الطبيعية للكون.

-       تبني موقف إنساني كوني كوكبي يتجاوز الثقافات، يتخللها ويتخطاها في آن، ويتجاوز التفسيرات الأحادية، ويدعم التوجهات الليبرالية لحرية الكائن اللانساني – ملاحظة: إن دعم الليبرالية لا يريد أن ينحو بحال من الأحوال لان يكون على حساب إنسانية الإنسان بحيث تتحول المادة نفسها أداةً لحرمان الآخرين منها، ويصبح السلام أداة لحرمان الآخرين منه.

أخيرًا ودومًا: فكرٌ مغاير!

ولو ملَّ القارئ من التكرار غير أن ما نحتاجه هو فكر مغاير تمامًا لا ينطلق من مبدأ الفصل بل ينطلق من فهم الكون فهمًا داخليًا عميقًا بوصفه جزءًا منا نحن البشر، وفهم وجودنا من خلاله، ويطرح في الوقت نفسه تعدديةً تحل محل البعد الواحد للفكر الكلاسيكي، الأمر الذي سينعكس في كافة المستويات الواقعية سواء كانت تنمية بشرية أم سياسية أم اجتماعية أم إعلامية.

تتبلور التنمية البشرية عبر رؤية لا يكون الإعلام فيها إلا وسيلة لتحقيق مزيد من إنسانية الإنسان وكونيته واحترام جسده وحقوقه وحريته وتحقيق مزيد من احترام البيئة والطبيعة والحفاظ عليها واحترام الكائنات بوصفها أحد أهم التجليات الوجودية، وإضفاء لغة أخرى لفلسفة تزودنا باستراتيجية فاعلة من أجل الحياة.

*** *** ***

 الصفحة الأولى

Front Page

 افتتاحية

                              

منقولات روحيّة

Spiritual Traditions

 أسطورة

Mythology

 قيم خالدة

Perennial Ethics

 ٍإضاءات

Spotlights

 إبستمولوجيا

Epistemology

 طبابة بديلة

Alternative Medicine

 إيكولوجيا عميقة

Deep Ecology

علم نفس الأعماق

Depth Psychology

اللاعنف والمقاومة

Nonviolence & Resistance

 أدب

Literature

 كتب وقراءات

Books & Readings

 فنّ

Art

 مرصد

On the Lookout

The Sycamore Center

للاتصال بنا 

الهاتف: 3312257 - 11 - 963

العنوان: ص. ب.: 5866 - دمشق/ سورية

maaber@scs-net.org  :البريد الإلكتروني

  ساعد في التنضيد: لمى       الأخرس، لوسي خير بك، نبيل سلامة، هفال       يوسف وديمة عبّود