نحو فلسفة للطبابة البديلة: المنظومة العليا وعلوم الطب الأشمل

 

توميو تادا

 

يفكر الناس على نحو شائع بالطب البديل والمتمم[1]CAM  كشيء سلبي، ويستخدمون ألفاظًا من قبيل "غير أصلي"، "غير - رسمي" أو "غير - غربي". وحتى عند استخدام ألفاظ إيجابية، فإنه يبدو عادة كشيء ثانوي متمم للطب الغربي الحديث الأصلي.

مفهوم إيجابي عن الطبابة البديلة؟

دعونا نطرح الآن سؤالاً عن إمكانية تقديم فكرة الطبابة البديلة بطرق إيجابية أخرى. بما أنَّ المزيد من الناس تلفت الطبابة البديلة انتباههم، فيجب أن يكون ثمة وجهة نظر جديدة يمكن من خلالها تعريف الطبابة البديلة على نحو جازم. فمن المؤكد أنَّ الناس الذين يتحولون إلى الطبابة البديلة لا يفعلون ذلك لمجرد الهروب من شيء ما. فلا بد أنهم يأملون في دخول أفق جديد للطب أكثر من كونهم يستسلمون لعلاجات ثانوية غير-أصلية. فما هي، إذن، الفكرة الإيجابية المحورية للطبابة البديلة في هذا الأفق الجديد؟

دعونا أولاً نطرح سؤالاً بسيطًا: ما، أو من، هو موضوع الطبابة البديلة؟ لقد أدركنا تمامًا الآن أنَّ الطبيعة مبنية تراتبيًا. فعلى سبيل المثال، وبدءًا بأنفسنا، يُنظر إلى المراتب النازلة اعتبارًا من المستوى الابتدائي للفرد ومن ثم الخلايا فالجزيئات فالمورثات فالمواد الكيماوية فالذرات، وصولاً في النهاية إلى الجسيمات دون الذرية والمجالات. وفوقنا وحولنا ثمة مجتمع أعلى مكوَّن من الكائنات البشرية والمخلوقات الحيَّة والنظم البيئية وكوكب الأرض والمجرات، وصولاً إلى الكون نفسه. ومن الواضح أنَّ ما ترغب الطبابة البديلة في مواجهته هو الكائن البشري الذي يمثِّل مستوى الفرد.

تراتبية الطبيعة وظهور "الفرد"

إنَّ قوانين المستويات الدنيا في الطبيعة تحدُّ القوانين التي تحكم المستوى الأعلى في التراتبية، وإنَّ كثيرًا من الظواهر في المستوى الأعلى تُفسَّر وتتقيد بالقواعد التي تحكم المستويات الأدنى. ويمكن رؤية ذلك بسهولة في تاريخ فهمنا للمرض. ففي الحقب ما قبل الحديثة، اعتبرتْ الثقافات أنَّ اعتلال صحة الإنسان هو من قبيل سوء الحظ أو السحر الذي أصاب أو نزل بالفرد المريض. وحوالي القرن الثامن عشر، قدَّم الطب الغربي الحديث، وهو المؤسَّس بإحكام على التشريح الدقيق أو على تحليل الجسم البشري، مفهومًا للمرض باعتباره خللاً في الأعضاء، أي في المستوى الأدنى من مستوى الفرد (علم أمراض الأعضاء). وفي القرن التالي، اختزل موضوع علم الأمراض على نحو إضافي إلى مستوى الخلايا، مما حول علم الأمراض إلى علم الأمراض الخلوي، كما صرح بذلك فيرتشو Virchow. وندرك اليوم أنَّ المسار تواصل في القرن العشرين نزولاً من الخلايا إلى الجزيئات، والآن، إلى المورثات. فالقرن الأخير كان قرن الطب الجزيئي الذي يوافق علم الأمراض الجزيئي. فقد أُنجز الفهم العلمي الحديث للمرض باختزال موضوعه من مستوى الفرد نزولاً إلى الأعضاء فالخلايا فالجزيئات فالمورثات. تلك كانت الطرائقية العظيمة والقوية للطب الحيوي الحديث التي أتاحت لنا فهم اعتلال صحة الفرد بالبحث عن عناصر عاملة في المستويات الأدنى من مستوى الفرد. ونعلم جميعًا، وفق هذه المقاربة، أننا نجحنا، بواسطة الجزيئات، في شرح الكثير من الأمراض بدءًا بأسبابها ووصولاً إلى كيفية نشوئها. وهذه حقًا مأثرة لافتة.

لكن، ربما يكون من قبيل الوهم الظنُّ بأننا نستطيع فهم ظواهر في المستوى الأعلى في تراتبية الطبيعة باختزالها إلى المستوى الأدنى. وسأعود إلى هذا السؤال الإبستمولوجي فيما بعد، لكن من الخطأ المؤكد الظن بأنَّ داء المريض قد شفي حالما نصلح الخلل في الأعضاء أو الجزيئات. على العكس، ومن حيث المبدأ، ليس من الضروري أن يشفى داء المريض حتى لو رممت الأعضاء أو الجزيئات. فالمذهب الاختزالي، على الرغم من قوته، خصوصًا علوم الطب الحيوي أو تحليل آليات المرض، يبقى منقوصًا في الممارسة الطبية السريرية أو فن الشفاء. بل وحتى قد يصبح خطرًا إذ يغري بنسيان أنَّ المرض، كعلة تصيب الفرد وليس الجزيئات، هو موضوع الممارسة الطبية.

لهذه الحكمة العملية أساس أبستمولوجي. إذ يعترف حاليًا بأنه ليس كل الظواهر التي تقع في المستوى الأعلى، أو الأكثر تعقيدًا، من الطبيعة يمكن تفسيرها بمبادئ تحكم المستويات الأدنى، أو الأقل تعقيدًا، ففي أي وقت ينبثق فيه مستوى أعلى في الطبيعة، سوف تنبثق قواعد تحكم ذلك المستوى. ولذلك يجب علينا أن نذكر بأنه ثمة قواعد منبثقة على مستوى الفرد لا يمكن اختزالها إلى مستويات الأعضاء والخلايا والجزيئات.

وحتى بين مستويات الخلايا والجزيئات، فإنَّ وظائف الأولى لا يمكن اختزالها إلى وظائف الثانية. فعلى الأقل لا بد أن يكون ثمة قواعد جديدة على مستوى الخلية تضبط وتحكم التفاعلات بين الجزيئات المكوِّنة لها. فيمكن للخلية أن تبقى حية فقط بموجب قواعد التعاون هذه التي تضبط وظائف عدد هائل من الجزيئات المختلفة. ويطبق الأمر عينه على العلاقة بين مستويي الخلايا والأعضاء. فعلى الرغم من أنَّ وظيفة العضو تعتمد على وظيفة الخلايا المكوِّنة له، إلا أنَّ وظيفته لا يمكن اختزالها إلى وظيفة أي من خلاياه المكونة، فمثلاً، لا يمكن تفسير التفكير بواسطة وظيفة أي عصبون وحيد في الدماغ. إنَّ وظيفة العضو ليست مجموعًا حسابيًا لخلاياه المكونة. فهو يعمل على الأقل بموجب قواعد تحكم التفاعلات في كل خلية وتضبط تفاعلاته مع الأعضاء الأخرى، ومع البيئات الخارجية والداخلية للفرد.

على نحو مشابه، ليس الكائن البشري الفرد مجموعة من الأعضاء. وهو بالتأكيد ليس خلوًا من القواعد التي تضبط أعضائه، لكن فرديته لا تفسر بواسطة الأعضاء. فالفرد يُحكم بقواعد تُكامل بين كل أعضائه المكونة بحيث تعمل بشكل تعاوني. ولهذا دعونا نذكر هنا بأن الداء هو شيء يعاني الفرد منه. إنه معاناة الفرد وليس خللاً في أعضائه أو خلاياه أو جزيئاته. فالمرض كمعاناة (maladie بالفرنسية وku باليابانية) لا يمكن فهمه بدون النظر في مستوى الفرد.

نظرة جديدة إلى المريض كفرد

دعونا نتخيَّل مريضًا بمتلازمة التعب المزمن، وهي حالة عقلية–جسمية غامضة جدًا عرفت مؤخرًا بأنها (ربما) تمثِّل كيانًا مرضيًا متميزًا قد يكون له أساس خمجي و/أو مناعي. إن تعب المريض حقيقي وغالبًا ما يشعر باليأس نتيجة لذلك. ولكن، ليس ثمة بعدُ أي مقياس محدد لتمثيل هذه الحالة العقلية–الجسمية، مثلاً، صورة أو معيار كيماوي دموي، وبدون قياسات موضوعية في الطب الغربي الحديث فإنَّ المريض سوف يظل على معاناته. والطب الاختزالي لا يمتلك طريقة لفهمه أو شفائه لأنه يتطلب أساسًا من البينات التي تمثلها بعض المقاييس الموضوعية التي تخص وظائفه الجزيئية أو الخلوية. لذلك لا يمكن فهم أو شفاء معاناة الفرد. ونجد الوضع نفسه في الأمراض التي يمكن تشخيصها، ولكن لا يمكن شفائها من قبل الطب الحديث، كالحالات المتقدمة من السرطان والإيدز. فيتم بشكل جيد تمثيل حالة المريض على مستويات الأعضاء والخلايا والجزيئات سواء رقميًا أو بالصور. لكن معاناة المريض لا يمكن تمثيلها بواسطة هذه المقاييس. إذ يتم التعبير عنها على مستوى الفرد وحسب.

أعتقد أنَّ الناس الذين يتحولون إلى الطبابة البديلة يفتشون عن طريقة لإبراء معاناتهم، وهذا ما يميل الطب الاختزالي الرسمي للتغاضي عنه نظرًا لتركيزه المنحاز إلى المقاييس الموضوعية على المستويات الأدنى: أي الأعضاء والخلايا والجزيئات. فالمأمول من الطبابة البديلة هو نظرة تركز على الفرد ككل واحد.

وأود أن أقترح بأنه على الطبابة البديلة أن تعرف نفسها أولاً كنظرة جديدة إلى المريض الفرد، مختلفة عن موقف الطب التحليلي الحديث. فلا يمكن تمثيل المريض الفرد كمجموعة من المقاييس العددية الموضوعية على المستويات دون الفردية. فما نأمله من الطبابة البديلة هو فهم وشفاء المرض، لا باعتباره شذوذًا عن المقاييس الموضوعية، بل باعتباره معاناة للمريض كفرد بالإجمال. ومن هذا المنظور ينبغي إعادة تقويم منظومات الطب ما قبل الحديث الآسيوية، كطب الأعشاب الصينية وطب الأيورفيدا. فهذه المنظومات، إذ تفتقد القدرة التحليلية المفصلة، قد شجعت طرائق شفاء وتشخيص حدسية تستند لا على علم أمراض دون–فردي، بل على مبحث أعراض ظاهراتي على مستوى الفرد.

أعتقد أنَّ المقاربة العامة لممارسي الطبابة البديلة تمثَّلت في فهم المرض من خلال الرؤيا الحدسية التجريدية للأعراض، وليس باعتبارها شذوذات في المستويات دون الفردية. فإذا بددنا العناصر الخرافية من هذه المقاربة فسوف نتعلم منها المعرفة الطبية السريرية وموقفها الذي ينظر بثبات إلى المستوى الأعلى من مستويات الأعضاء والخلايا والجزيئات. فحتى الأطباء الغربيون الحديثون إذا ما كانوا ماهرين كفاية، يمتلكون حدسيًا هذا الموقف الكلاني تجاه المريض الفرد. ينبغي أن نطرح هذا الحدس للمناقشة على الميتودولوجيا النظرية.

تتمثل وجهة النظر الأساسية للطبابة البديلة في القول إنَّ مبادئ جديدة سوف تنبثق عندما ينبثق مستوى جديد من تراتبية الطبيعة، ويحدث ذلك لا–اتصاليًا. ويجب أن نقر بأنه ثمة قفز لا–اتصالي في الطبيعة من المستويات الأدنى إلى المستويات الأعلى في التعقيد. مثلاً، في القفز من مستوى المادة إلى مستوى الحياة انبثقت قاعدة النسخ الذاتي التي تستند إلى، ولكن لا تفسر بـ، القواعد التي تحكم مستوى الجزيئات. والتطور، وآليته الرئيسية هي النسخ المتمايز لتنوع من النواسخ الذاتية، هو ظاهرة جوهرية في هذا المستوى، أقصد مستوى الحياة. هذه ظاهرة منبثقة لا يمكن اختزالها إلى العالم المادي غير الحي لأنها تحدث عندما أعداد هائلة من النواسخ الذاتية المعقدة تتفاعل فيما بينها أو مع البيئة المادية غير المتنسخة ذاتيًا (المستوى الأدنى).

على نحوٍ مشابه، أود أن أؤكد أنَّ قواعد جديدة انبثقت عندما تنظمت الخلايا باتجاه المستوى الأعلى، أقصد الفرد. فبمثل هذا الإقرار وحسب يصبح من الممكن فهم المرض كمشكلة على مستوى الفرد، وليس باختزاله إلى المستويات الأدنى للمكونات: أي، الأعضاء والخلايا والجزيئات.

ما الذي انبثق على مستوى الفرد؟

دعونا ننظر الآن فيما انبثق على مستوى الفرد. يتألف الجسم البشري من 270 نوعًا من الخلايا يبلغ عددها 60 تريليون. ورغم أنه من الممكن حاليًا استنبات كثير من خلايانا تحت شروط مضبوطة، فإنَّ أيَّة واحدة من هذه الخلايا لن تعمل وظيفيًا إذا تركت لوحدها. فهي تتمكن من البقاء والعمل فقط طبيعيًا ضمن النسج والأعضاء وبوجود الدم الدائر الذي يشكل بيئة موحدة للفرد الواحد. ولذلك، فإنَّ قواعد تحكم التفاعلات بين تلك الخلايا وتنظم وحداتها الوظيفية تكون مطلوبة لبناء مجمل الفرد. وحتى البيضة المخصبة، وهي خلية بشرية واحدة، تطورت عن خلية أصلية واحدة بواسطة التمايز التكيفي والانقسام. وأود أن أقترح بأنَّ التولد الذاتي والتمايز الذاتي والتنظيم الذاتي هي المبادئ الجديدة الحاكمة للسيرورة التي انبثق منها مستوى الفرد. وثمة مبدأ آخر ذي صلة هو الإحالة الذاتية، وأعني بذلك أنَّ الخلايا المتنوعة والأعضاء تتفاعل فيما بينها بأسلوب متناسق بحيث تتصرف وكأنها تحيل (تؤشر) إلى مجمل الذات. وأعتذر هنا عن كوني أقدم هنا، إضافة لمفهوم "الفرد"، مفهوم "الذات"، الذي قد يبدو صوفيًا لأولئك الاختزاليين المتشددين. لكن هذا المفهوم، في الحقيقة، ليس صوفيًا مطلقًا، بل معترف به حتى في ميادين عديدة من الطب الحيوي، كمبحث المناعة مثلاً، الذي لا يزيد عن كونه فك شيفرة الآليات البيولوجية للفرد وذلك لتمييز الذات والدفاع عنها في مقابل الآخرين والبيئة (غير الذات). فالإحالة الذاتية هي أكثر المبادئ العاملة وضوحًا في هذه المنظومة. فالمناعة الفطرية والتكيفية، والالتهابات، وتوليد الدم هي بعض من الظواهر التي تخضع لهذا المبدأ. وعلى الرغم من أنَّ الذات المناعية هي جسمية أو وراثية، فثمة بالإضافة إلى ذلك، الذات الأكثر ملاءمة لهذا الاسم: أي الذات الشخصية أو الواعية. ويأمل العلماء، بما فيهم أنا، بتفسير هذا المستوى مستقبليًا بواسطة مبحث علم الغدد الصم–العصبي. أما اليوم، فالمناقشات الفلسفية حامية حول كون هذا التفسير ممكنًا أم لا، حتى من حيث المبدأ أو بغض النظر عن الممارسة. وبعيدًا عن هذه المناقشات، فإنَّ أغلب العلماء سيوافقون على الأقل على أنَّ الظواهر المرتبطة بالذات الواعية يصعب تناولها وتدبرها بواسطة المقاربة الاختزالية.

والسبب وراء ذلك واضح إلى حدٍّ ما. فالمقاربة الاختزالية التقليدية مقيدة بالنموذج الآلي النيوتوني الذي يتكوَّن نموذج "المنظومة" فيه من المنظومة الهندسية الآلية الشبيهة بالساعة. ففي هذه المنظومة تعمل المركبات العنصرية المكوِّنة لها، فقط بواسطة قوانين الميكانيك النيوتوني للأجسام الصلبة، ومن الواضح أنَّ هذا النموذج غير كافٍ لأجل مستوى الحياة. لقد امتلك المعالجون القدماء في الهند والصين تبصرًا يرى أنه لا بد من وجود منظومة عليا في الحياة، شيء ما يدعى "روح" بالألفاظ الإنكليزية، على الرغم من أنَّ هؤلاء كانوا منخرطين في الوقت نفسه في معتقدات خرافية غير تحليلية. وينبغي الاعتراف بأنَّ ثمَّة عنصر من الحكمة في الخشية المعبر عنها تجاه المستوى الأعلى في منظومة شديدة التعقيد، وذلك في تقاليد طبية متنوعة عبر العالم.

ومفهوم "المنظومة" الذي أصبح شائعًا في النصف الثاني من القرن الأخير صيغ على نحو فضفاض كي يشير إلى مجموعة من العناصر بحيث تتشكل كليتها في خدمة غرض مفيد. وفي الأصل كان أحد مفاهيم الهندسة الميكانيكية، ثم تكنولوجيا المعلومات. وحاليًا، يعد مفهوم المنظومة في الخيال الحاسوبي أكثر صقلاً من مفهوم الساعات. ولكن، حتى المنظومة الحاسوبية الأعلى بعيدة عن المنظومة المناعية، هذا إذا لم نذكر المنظومة العصبية. فما الذي يجعل المنظومة الحية مختلفة عن هذه المنظومات الهندسية؟ هذا موضوع حامٍِ لم تحله بعد نظرية التعقيد[2]، ولكن على الأقل فإنَّ واحدًا من خصائصه الواضحة هو التنظيم الذاتي للعناصر التي تولد بالنسخ الذاتي. ومثل هذه الخاصية ليست واردة في أية منظومات ميكانيكية نيوتونية. وحتى الحاسوب، وهو آلة تورينغ[3]، يستطيع أن يحاكي سطحيًا وحسب مثل هذه الخاصية. إنَّ التنظيم الذاتي والتنويع الذاتي والتولد الذاتي والإحالة الذاتية هي خصائص المنظومة الحية التي لا تضاهيها خصائص الآلات الشبيهة بالإنسان. ويجب أن نذكر أيضًا أنَّ هذه الخصائص تصبح واضحة فقط على مستوى المتعضيات الحية المفردة، خصوصًا تلك التي تنشأ من البويضة. ومع الاحتراس من التعابير الجديدة، ولكن لأجل توضيح هذه النقطة، أود اقتراح تسمية مثل هذه المنظومة الحائزة لهذه الخصائص "منظومة عليا". وبتقديم مفهوم كهذا نستطيع الآن القول إنَّ الفرد الحي هو منظومة عليا. وبالمناسبة، أود أن أقترح أنَّ خصائص المنظومة العليا يمكن حملها على أية منظومات تفوق الأفراد. كاللغة والمجتمع والسوق، الخ.

المنظومة العليا والطب الأشمل super-system and Epimedical Science

نستطيع الآن اقتراح أنَّ الأمراض التي سوف يشفيها الطب البديل هي اضطرابات في المنظومة العليا، ولا يمكن اختزالها إلى اختلالات في وظائف عناصرها المكونة. وخبرات الكفاح البشري ضد اضطرابات المنظومة العليا قد تراكمت في الطبابات الحدسية التقليدية في الشرق والغرب. وفي ذلك التاريخ، يجب أن نفتش عن نفائس المقاربة البديلة غير الاختزالية للطب الحيوي في المستقبل.

دعوني أنظر في جانب بسيط، أعني التقنية العلاجية، كي أوضح المقاربة غير الاختزالية في الطب. تستند العلاجات العشبية الغربية والكامبو (الصين) على المفعولات العلاجية الطبيعية. والكثير من هذه المفعولات تضمحل عندما يجري تحليل الأعشاب إلى مركباتها المكونة. ولا يستغرب المعالجون بالأعشاب ومنظروا المنظومة العليا أن تمتلك الخلاصات المعقدة والخام للمنتجات الطبيعية خصائص علاجية لا ترجع إلى أي من مركباتها النقية. ليس من الضروري أن نلجأ إلى لغة "كلانية" هنا. فالتفاعلات والتكافل بين المركبات العديدة يمكنها أن تؤدي إلى مفعولات منبثقة. وهذا هو المستوى الأكثر أولوية في مُقترب المنظومة العليا.

وفي الوقت الذي لم تتقدم فيه طرائقية الطب الغربي كثيرًا فيما وراء عزل وتنقية وتحليل المركبات، فإنَّ مقترب المنظومة العليا يُنظر إليه سحريًا في غالب الأحيان. وآمل أنَّ الطب الحيوي الحديث يتهيأ الآن لمعالجة معضلة التعقيد متعلمًا من حكمة الطبابات التقليدية.

أعتقد أنَّ العلم أكثر إثارة من السحر، ولذلك فإنَّ فهم العلاجات المتنوعة للطبابة البديلة، لا بلغة المعجزات بل بلغة العلم، سوف يكون أكثر إثارة وفائدة من الاحتماء منها باعتبارها رصاصات سحرية. فالسحر والمعجزات تبقى جانبًا، حتى لو أنَّ كثيرًا من التأثيرات الفيزيولوجية للأغذية المألوفة لا يمكن اختزالها إلى جزيئاتها المكونة. فعلى سبيل المثال، وكما ظهر مؤخرًا، إنَّ المفعول المضاد لسرطان البروستات الذي تتمتع به البندورة [الطماطم]، لا يمكن اختزاله إلى مادة الليكوبين، وهي المركب الرئيسي في البندورة، بل يعود الأمر إلى تفاعل معقد غير معروف حتى الآن بين مركبات متنوعة. إنَّ تناول الأغذية الطبيعية على مدى عقود لابدَّ أنه يختلف عن مجرد تناول جرعات إضافية لمدة أشهر أو حتى سنوات.

وأود أن أقترح بأنَّ تأثير الطبابة البديلة، بما فيها الطبابة التقليدية، على الطب الحيوي الحديث يتمثَّل في أنها تكشف عن منظور المنظومة العليا. وهي ليست بديلاً أو حلاً، أو أقل من ذلك، ليست مجرد طبابة متممة للطب الحيوي الاختزالي الحالي. وقد فكرت بأنه لأجل تقديم هذه الوضعية بشكل أكثر وضوحًا نحتاج إلى مصطلح آخر غير مصطلح الطب البديل المتمم. وأحد الخيارات التي لا أضع عليها كثيرًا من الاعتراضات هو مصطلح "الطب المتكامل" لكنه لا ينقل مفهوم أن موضوع هذا الطب الحيوي الجديد هو المنظومة العليا. وبما أنَّ مصطلحات "super" أو "hyper" مفرطة جدًا لكي يتم اعتمادها من قبل الطب، وبما أن مصطلح "ما بعد الطب" meta - medicin يوحي بالاستخفاف الزائد، فأود الاقتراح أننا وسطيًا سوف ندعوه "علم الطب الأشمل". فإذا قُبل هذا المصطلح فإنَّ العلم الذي يهدف إلى دراسة تعقيد المنظومة العليا ومداواتها يمكن أن يُدعى إجمالاً "علم الطب الأشمل". وهذه بالطبع كلمة جديدة ابتكرت بإضافة اللاحقة epi، وتعني أكثر أو فوق، إلى كلمة الطب. وبهذا فإني أود أن أقترح أنَّ الطب الحيوي الجديد ينبغي أن يتضمن أفضل ما في الطب التحليلي الحديث، لكنه يقف على أكتافه كي ينظر إلى الفرد البشري كمنظومة عليا غير قابلة للاختزال. وكذلك يتضمن المصطلح "epi"، إضافة إلى الطب الغربي، اصطفاءً لأفضل الوسائل العلاجية في الطبابة البديلة الحالية. وهذه هي، إلى جانب ما ناقشته، الوخز بالإبر، الشياتسو (المساج الياباني)، المداواة بالعطور، المساج الغربي، الكي غونغ، الرولفينغ[4] Rolfing، التداوي بالأعشاب، والنماذج العلاجية الأخرى التي تعد في منزلة ثانوية أو حتى خارج عالم الطب الحديث. وسوف يوضح علم المنظومة العليا ما ينبغي تعلمه منها. وبما أن مصطلحات من قبيل "طبي موازي" paramedical و"نموذج تخلُّقي" epigenetic امتلكت مسبقًا أفكارًا محددة، فأتمنى أن يحظى مصطلح علم الطب الأشمل بالقبول الواسع النطاق قي المستقبل.

الأساس البرهاني لعلم الطب الأشمل

في محاولتنا لتأسيس علم الطب الأشمل كفرع علمي وكفن شفاء للمنظومة العليا، فإنَّ المهمة الحاسمة تتمثل في إنشاء أساسه البرهاني. فالمعتقدات الخرافية، والإيمان الديني، والسذاجة، كما أخشى، قد دعمت إلى حدٍّ كبير الطبابة البديلة. وقد حان الوقت الآن للاستغناء عن هذه العناصر، ذلك أن ثمة الكثير من الناس والمنظمات والشركات يرغبون في استغلال منافع غالية الثمن من الطبابة البديلة كما هي حاليًا. فيجب تأسيس معيار علمي لإعادة تقييم الطبابة البديلة تبعًا لأساس برهاني، وذلك بغرض دمجها في طب المستقبل أو علم الطب الأشمل.

وهذه المجلة مجلة الطبابة البديلة المبرهنة eCAM، قد تأسَّست جزئيًا كي تكون نادٍ لمناقشة هذا الجانب، أعني، ما هو نوع الطرائقية التي يجب تبنيها لتقييم الأساس البرهاني للطبابة البديلة. ومع أننا نعتقد أنَّ قسمًا من الطرائقية الحالية، كالمُعمَّى المزدوج double-blind، والعلاج الغُفْل placebo، والتجربة السريرية العشوائية المضبوطة، تمثل طرقًا موضوعية دقيقة علميًا في تقييم تأثير عقار ذي مركب وحيد على عرض وحيد لأحد الأمراض، إلا أننا ما زلنا غير مقتنعين أنها يجب أن تكون الطريقة الوحيدة في تقييم تأثيرات عوامل معقدة، كالأعشاب، على حالات معقدة كداء الكلال fatigue، مثلاً. كما لا نعتقد بأنه قد ترسخت تقنية وبائية ذات دقة مقارِنة لتقييم أثار الوخز بالإبر، مثلاً. والسبب المشترك البسيط لذلك هو أنَّ تأثيرات هذه العوامل المعقدة تمتلك تغيُّرية كبيرة بين الأفراد، حتى عندما نستبعد التأثيرات الغفل.

من الناحية الفلسفية، ترتبط مشكلة الطرائقية هذه بمفهوم المنظومة العليا ذاته. إذ يجب أن نفترض، وفقًا للبنية التراتبية للمنظومة العليا، أنَّ برهانًا [دليلاً] في أحد مستويات التراتبية يجب ألا يعتبر ذا صلة بظواهر في المستوى الأعلى. لذلك، إنَّ تجميع أدلة في المستويات الأدنى، مهما كان عددها، لا يجب أن يعتبر داعمًا أو نابذًا لتأثيرات موجودة في مستويات أعلى. فعلى سبيل المثال، لقد زُعم أنَّ نظم حمية متعددة تقدمها الطبابة البديلة، الكي-كونغ مثلاً، يمكن أن تحسن الصحة العامة للفرد بتأثيرها على الجهاز المناعي، واستند هذا الزعم على بيانات جمعت عن عدد و فعاليات الخلايا الطبيعية القاتلة NK. لكننا يجب أن نفكر بأنَّ هذا النوع من الحجة غير كاف لإثبات تأثيرات عوامل معقدة على المنظومة العليا طالما أنها تستند إلى أدلة من مستويات أدنى [أي مستوى الخلية]. إنَّ تأثيرات عوامل معقدة على المنظومة العليا يجب اختبارها على مستوى الفرد. ويجب استكشاف مقاييس وعلامات تمثِّل هذا المستوى، كما نحتاج إلى تطوير طرق إحصائية متقدمة يمكنها أن تأخذ باعتبارها الفرد الواقعي.

آمل أنني نجحت وإلى حد بعيد في تقديم، على الأقل، بعض الحجج التي تبين أنَّ الطبابة البديلة الحالية يمكن اعتبارها نقطة البداية نحو علم الطب الأشمل الخاص بالمنظومة العليا، باعتباره مغايرًا لعلم الطب الحيوي التحليلي الحديث وليس مجرد شيء ثانوي أو إضافي. بهذا التصور، نهدف إلى بناء طب للمستقبل يستند بثبات على الخاصية غير الاختزالية للفرد كمنظومة عليا، ويُكامل أيضًا بين أفضل ما في علمي الطب الحيوي التحليلي (الحديث) والحدسي (التقليدي) باعتبارهما عناصر ضرورية لعلوم الطب الأشمل. وآمل أيضًا أنَّ هذه المجلة، مجلة الطبابة البديلة المبرهنة، سوف تصبح أداة لا غنى عنها لأولئك الذين يودون الاشتراك في هذه المهمة الهائلة، إنما الممتعة.

ترجمة: معين رومية

*** *** ***

المصدر:

-        Evidenced-based Complementary and Alternative Medicine, Vol. 1, Issue 2, Oxford University Press 2004.


 

horizontal rule

[1] الطب البديل والمتمِّم Complementary and Alternative Medicine: سوف يرد المصطلح كثيرًا في الصفحات القادمة، وللاختصار، سوف نشير إليه عمومًا بالطبابة البديلة، إلا عند وجود حاجة لتمييز البديل عن المتمم. (المترجم)

[2] نظرية التعقيد Complexity theory: تشكِّل نظرية التعقيد نموذجًا إرشاديًا جديدًا بدأ يتخلل الفروع العلمية المختلفة وتقوم على معالجة التعقيد كما هو، في الطبيعة والإنسان، دون اختزاله أو تبسيطه، وذلك باستخدام رياضيات جديدة ومفاهيم جديدة تضمها جميعًا نظرية المنظومات الديناميكية. (المترجم)

[3] نسبة إلى العالم الإنكليزي Alan Turing الذي وضع أسس بناء الحاسوب. (المترجم)

[4] التدليك العضلي العميق لتحرير البنية الفيزيولوجية للجسم ومساعدته في ترميم وتقويم نفسه. (المترجم)

 

 الصفحة الأولى

Front Page

 افتتاحية

                              

منقولات روحيّة

Spiritual Traditions

 أسطورة

Mythology

 قيم خالدة

Perennial Ethics

 ٍإضاءات

Spotlights

 إبستمولوجيا

Epistemology

 طبابة بديلة

Alternative Medicine

 إيكولوجيا عميقة

Deep Ecology

علم نفس الأعماق

Depth Psychology

اللاعنف والمقاومة

Nonviolence & Resistance

 أدب

Literature

 كتب وقراءات

Books & Readings

 فنّ

Art

 مرصد

On the Lookout

The Sycamore Center

للاتصال بنا 

الهاتف: 3312257 - 11 - 963

العنوان: ص. ب.: 5866 - دمشق/ سورية

maaber@scs-net.org  :البريد الإلكتروني

  ساعد في التنضيد: لمى       الأخرس، لوسي خير بك، نبيل سلامة، هفال       يوسف وديمة عبّود