الديانة الفالية وديانة ميترا

 

جورج آدوم

 

أولاً: الديانة الفالية[1]

إن القوة الأكثر اقتدارًا في الطبيعة تكمن في الجنس. فبدون الجنس ليس ثمة توالُد، ولا عالَم، ولا إنسانية، ولا فعلاً. وبدون توالُد، لا شيء يستوجِب منح الحياة، ولن تتواجَد بشرية، ولا روحًا لكي تنال الخلود، ولا حاجة لوجود الله. فالجنس هو البداية، وهو الخلود، وهو التألُّه.

النشاط الجنسي الذي يُوَجَّه بشكلٍ خاطئ بإمكانِه محق وتدمير الروح. ولكن لا يمكن إدانة الجنس، وإنما الإنسان هو الذي يستحق الإدانَة، لأنه يستخدِم للتدمير ما أُعطِيَ إياه كمُخَلِّصِ له. فعلى عاتِق الإنسان يقَع اختيار ما عليه فعله مع هذا المبدأ الرفيع.

كانَت عبادة الجنس، أو الطقس الفالي الشكل الأكثر شيوعًا بين كل الشعوب، إنه عبادة تم استلهامَها من خلال ظهور الطبيعة في سرِّها الكبير للحياة والخلق. وقد وصلَت هذه العبادة الرفيعة إلى تطورها الأعظمي بين المصريين القدماء، والآشوريين، واليونانيين، والرومانيين، والشعوب القديمة الأخرى في كل أرجاء الأرض: فارس، وآسيا الصغرى، وإثيوبيا، والجزر البريطانية، والمكسيك، وأميركا الجنوبية، وأجزاء أخرى من نصف الكرة الأرضية. لا بل توجد هذه الديانة حتى اليوم في الهند وبين إحدى طوئف لبنان، ويوجد أكثر من مائة مليونًا من أتباع وعابدين فاليين حقيقيين بدون أية دلالَة لفساد الجنس من خلال الممارسات الشنيعة والمنحطَّة الموجودة في أيامنا هذه على نطاق عالَمي، وفي البلاد التي تعتبِر نفسَها متحضِّرَةً.

تأسَّسَت كل الديانات الحالية على الديانة الفالية، ولا تتجاوز بعض العديلات لكي تتجاوَب أشكال عريقة في القِدَم مع الشروط الحديثة، وأجوائها المحيطة وغاياتها.

يكمن الدافع المحيي للحياة العضوية كلها في الغريزة الجنسية، فالجنس هو النداء الكوني للتكاثر، وعلى هذا النحو تطلبُه الطبيعَة، ويصادِق عليه القانون الإلهي. إن ما يُدعَى بالجنس هو الذي ينشُط في الصراع من أجل الوجود في العالَم الحيواني. وهو المنبع الحيوي لكل جهد وانفعال إنسانيين، من أجل الأكثر رفعةً أو من أجل الأكثر انحلالاً عندما تكون الرغبات هي التي تحرِّك الحب.

إن قانون الانجذاب لاتحاد الجنسين المستقطَبَيْن لديه هَدَف خلق كائن جديد، وهذا الأخير يُقدِّم بدورِه الفُرصَة لروح جديدة، وإناء للشعلَة المقدّسَة. فهذا الدافِع هو العامِل الأكثر اقتِدارًا في كل ما يتعلَّق بالسُّلالَة الإنسانية. إنه التقدِمَة الأكثر رقيًّا التي خوَّلَها الله للإنسان.

إن الشهية الجنسية ليسَت شهيَّةً حيوانية، فبالعكس، إنها الرغبة الأكثر رقيًا التي بوسع الألوهَة أن تودِعَها في الكائن الإنساني، إنها وسيلة ضمن أهداف الله من أجل خلود روح الفرد، ولرغَد عيش كل الناس. فالجنس هو القاعِدَة التي يقوم عليها المجتمَع، وينبوع الحياة الإنسانية، والسعَادَة، والأبدية.

بدون الدافع الجنسي، تتعرَّض السلالَة الإنسانية للفناء، وفيما بعد، خلال جيل يخلو العالَم من البشَر. وحينئذٍ ستكون حتى السماء لا معنى لها. ومع ذلك، فالديانات الحالية تعتبِر الجنس أمرًا فاسِدًا وقذِرًا.

إن جذور الجنس تكمن في الألوهَة، لأنه بدون جنس ليس ثمة إمكانية لوجود الحب، وهذا الأخير هو مصدَر الإلهام لكل جمال، وأخلاقية، وتسامٍ. ليس ثمة إمكانية لوجود الحب والإلهام وجمال المشاعِر إطلاقًا لدى إنسانٍ عاجِزٍ جنسيًا. فالشعلة اللاموصوفَة لا تستطيع إظهار نورها من خلال كائن لا جنسي أو عاجز جنسيًا. بدون جنس ليس ثمة حب، وبدون حب ليس ثمة دين. فالانفعالات الدينية تنبت من القدرة المحيية للطبيعَة الجنسية. فالديانة الفالية عبدت سر حياة الخليقة أو التكاثر: وكانت هي التكرُّس للقوة الخلاَّقَة كلية القدرة...

إن التكاثر وانتقال الحياة من جيل إلى آخَر هو السر الأكثَر روعَةً، والذي يجعَل النبتة تطلع من البذرة الغضَّة، وتضَع كائنًا جديدًا على الأرض، كان وسيكون سر الأسرار. وهذا السر مُحتوَى في حُبَيْبَة الحياة حسب ما يسميها العلم الحديث.

تعلِّم ديانة الفالة حتى اليوم أنه عند الدعاء، فالإنسان يستدعي الإله، ولكنه عند اتحاده جنسيًا مع امرأته فإنه يتحوَّل إلى إله. إن نار الجنس هي نار القداسة، وأصل الجنس يعود في جذوره إلى الألوهة نفسِها. فالجنس يكمن في الله، كما أن الابن في الآب. الجنس والقداسة هما خطَّان متوازيان يلتقيان في الله، ولكن عينَيْ الفاسِق وتلك التي للمنافق والمتعصِّب، لا تستطيع رؤية هذا اللقاء.

إن التلاحُم الجسدي بالنسبة لعبَدَة الجنس هو عمل نوراني. فكل اتحاد هو حافِز للخلق أو التعبير. فالشر ليس في الفعل في حدِّ ذاتِه، وإنما في الأفكار التي تسبُقُه، وتواكِبُه... فالجنس هو ثمَرَةُ شجرة الحياة في جنَّة عدَن، وعند أكلها يصير الإنسان إلهًا، والإنسان يصير واحدًا منها (الكتاب المقدس). ومع ذلك، وبالرغم من كونها شجرة الحياة فقد مات الإنسان.

لا يمكن لشجرة الحياة أن تكون سببًا للموت، ومع ذلك فالإنسان عندما أكل الثمرة فقد عصى، ومعاصيه هي التي أماتته. فالجنس هو الطريق إلى الاستنارة، ولكن الشهوة الجنسية والكيروبيم مع السيف المشتعِل الذي يمنَع في حدِّ ذاتِه الإنسان الذي فقد نقاءه من دخولِه جنَّة عدن. كما أن الطهارة بالابتعاد عن الجنس ليس لها أية قيمة. فالطهارة الحقيقية يجب أن تكون في نقاء وقداسة الجنس. الطاهِر الحقيقي هو ذلك الذي يحمِل رجولته إلى الألوهة. فالله صنَعَ الإنسان بواسطة الجنس. والإنسان يصير إلهًا عن طريق الجنس. الهروب من الجنس ضارٌّ جدًا كالسعي إليه في حد ذاته من أجل اللذة فقط. إن اللذة الجنسية خارج النقاء الجنسي هي لذة غير مكتمِلَة.

من هو يهوه Yeová إله اليهود والمسيحيين؟! إن الـ Yod هو ذَكَر الرجل، متَّحِدًا مع Eva، العضو الأنثوي، وكلاهما يُشكِّلان القُدرَةَ الخلاَّقَة للديانات القديمة. فالاتحاد الجنسي في ظهور الطبيعَة كله هو اتحاد النصفين لتصوير يهوه Yeová في الكتاب المقدس.

يجب أن يكون الجنس حبًا، ولكن لا يجب أن يصير الحب جنسًا، لأنه ثمة جنسوية شهوانية، وجنسوية روحانية. فالشهوانية هي الولادة والموت، في حين أن الروحاني هو القيامة الأبدية. ونار يهوه Yeová في علِّيقة حوريب ليسَت إلا نار الجنس. في علِّيقة الجهاز المنوي. "لا تقتربوا من هنا: إنزعوا أحذيتكم من أقدامِكم، لأن الأرض التي تطأونها هي أرض مقدَّسَة!".

ثانيًا: ديانة ميترا

لا نستطيع في هذه الأعمال التمهيدية تقديم تعاليم، ولا ممارسات الديانة الفالية التي هي أكثر ديانةً نقاءً ورقيًا. إن القدماء وهم يَرَوْن فساد المشاعِر الإنسانية فيما يتعلَّق بعبادة الجنس، عملوا على إخفاء الحقيقة بواسِطَة رموز أو ديانات رمزية. وقبل كل شيء، علينا أن نُدرِكَ بأن الديانة وُجِدَت لأجل الإنسان، وليس الإنسان قد وُجِدَ لأجل الديانة.

يخطر على بالِنا دومًا بأن الشعوب البدائية كانَت تعبد الشمس بعدما انحطَّت عبادة الجنس. نرى أنه في بلاد فارس القديمة كانوا يُسمُّون عبادة الشمس باسم ديانة ميترا. وكلمة "ميترا" تعني "الشمس" وفقًا للغة المحلية بين أتباع هذه الديانة. ميترا، الشمس يخرج في كل الصباحات لكي يطرد الظلمات، مسافرًا في عربتِه عبر السماء. وعند ظهوره في كل يوم فإنه يمنَح يومًا جديدًا لخليقتِه.

عُبِدَت الإلهة القمر لأنها كانت تسافِر في الأفلاك العليا، وهي تجرها ثيران بيضاء. كان الثور بالنسبة للفارسيين حيوان التكاثر والزراعة. وكانت الإلهة القمر هي التي تحكُم نموَّ النباتات وولادَة كل المخلوقات الحية. هكذا مثل الإله الشمس الذي كان هو مانح الحياة. وبالتالي، فبالنسبة لهم، كان الإله الشمس هو الأب والإلهة القمر هي الأم. والنيِّران الاثنان اللذان أخصبا الأرض كانا معبودَيْن من قِبَل الشعب، مثلما كان الكهنة المسارَرون يمارِسون فقط ديانة الجنس، التي هي نار – نور. فقد كان الكَهَنَة يحتفظون بشكل خاص للمُسارَرين إظهار العقيدَة الأصلية، بينما ارتضى الجمع بالرمزية البرَّاقَة والسطحية.

علينا أن نوضِّح الأمر على نحوٍ دائم بأن الكهنة قد أعطوا للشعب طقس عبادة الشمس والكواكب، لأن الناس كانوا قد بدأوا يُفسِدون ديانة الجنس. ومن جانبٍ آخَر، كانوا يُعلِّمون بأنه على العِبادَة أن يتمَّ توجيهَها إلى روح الكواكِب، وليس للجسم السماوي. ووفقًا للنظريات الأسترولوجية (علم التنجيم)، فالكواكب كانت متَّسِمةً بمبادئ كونية تتجلَّى في صفات وفضائل. وكل واحد من الأجسام السماوية تحكم يومًا من أيام الأسبوع، وكل واحِد كان مشتركًا بدرجة من المسارَرَة، بصيرورة عدده كالأكثر قداسة وهو العدد سبعة.

كان يُعَلَّم آنذاك، بأنه حالَما وصول الروح إلى الأرض، كان يتوجَّب عليها اكتساب الصفة الرئيسية لكل كوكب من هذه الكواكب وهياماتها الأساسية. وكآلِهَةٍ خالِدَة، كانت متربِّعَةً على العرش في الأولمب: هيليو Hélio (الشمس)، وسيلين Selene (القمر)، وآرِس Ares (المريخ)، وهرمس Hermes (عطارد)، وزيوس Zeus (المشتري)، وأفروديت Afrodite (الزهرة)، وكرونو Crono (زُحَل). أما الشمس فقد كانت إله الآلهة، وهو: ميترا.

إلى جانب الآلِهَة الكوكبية السبعَة (سبعة ملائكة أمام عرش الله)، كانوا يتلقُّون إكرامات الآلِهَة الأخرَى: الاثنا عشر برجًا زودياكًا (اثنا عشر موهبة للروح، مثلما هي الحال عند المسيح وتلاميذه الاثني عشر). فكانَت أبراج زودياك تُخضِع المخلوقات لتأثيراتِها. وكل واحد منها كان موضوعًا لتقديس خاص خلال الشهر الذي يحكُمُه. ووفقًا لديانة ميترا، فكل يوم كان محكومًا من خلال إله، وبالتالي، سُمِّيَ باسم الإله الخاص به: الآن ليس صعبًا علينا فهم الباعِث الذي جعل للديانات الحديثة قديس لكل يوم من العام.

كان ميترا بالنسبة للمجوس إله النور، والآب اللاموصوف أو النور اللاموصوف. إله النار والقَمَر الذي كان يظهَر من خلال العضو الذكري. ومع ذلك، فبالنسبة للشعب كانت الشمس التي تنقل نورها عبر الهواء، وهم يعتقدون أنها كانت تسكن في المنطقة الوسطى بين السماء والأرض. ولكي نجعل هذه الصفة رمزًا في الطقس، توجَّب عليهم تقديس اليوم السادس عشر، اليوم المركزي للشهر. كان ميترا هو الوسيط بين الله الذي يملك في السماء، وبين البشَر الذين يكافِحون، ويتألَّمون على الأرض. وهذا ما أنشأ أوَّلَ مفهوم عن الحاجة التي لدى الإنسان لِوَسيط بينه وبين الله. وبالنسبة للفارسيين كان ميترا متطابِقًا مع يسوع المسيح، فإن ميترا ويسوع هما تشخيص للشعلة الإلهية. فعِوَضًا عن اتِّباع المسارَر شخصًا أو نبيًا، فهو يذهب مباشرة إلى منبع النور: ذلك النور الذي هو نفسه عبارة عن ومضة منه.

الفكرة بأن لدى الإنسان إله، فهذ أمر يتعلَّق في كل حال بطبيعتِه الخاصة، وتنشئتِه، ووضعِه الاجتماعي. وبقدر ما يتصفَّى الفكر، يستوعِب الإنسان الكائن المطلَق في الهيئة الأكثر رقيًا، والأكثر روحانية: ولهذا السبب عرف الفلاسفة اليونانيون سرَّ ميترا أكثر من الفارسيين أنفسهم. فاليونانيون رأوا بأن الشمس التي تسكب نورها على الأرض كانت صورة للكائن غير المرئي، على نحوٍ بأنه ما من مخلوق بوسعِه رؤيته: "الآب لم يرَه أحد قط" هكذا أعلن يوحنا تلميذ يسوع آلافًا من السنين فيما بعد.

كان لدى ميترا ثالوثه: وقد تمثَّل بين صورتَيْ فَتَيَيْن. واحِدَةٌ مع شعلة مرتفعة، وأخرى مع شعلة مقلوبة. وكانت هاتان الصورتان للفتيَيْن ثنائيًا لتجسيد شخصِه. فالاثنان المدعوَّان دادوبوري Dadophori كانا يشكِّلان مع الله ثالوثًا. فكان هذا الإله الشمس – ميترا يجتاز بانتصار من السمت Zênite يسقط في الليل نحوَ الأفق حيث كان يموت. كان هذا ميترا الثلاثي أو الثالوث في إله واحد فقط. وعلى هذا النحو دائمًا، فمن وراء كل هذه الأشكال الخارجية، كانَت الأسرار مثل كهنتِها الذين كانوا يُعَلِّمون أتباعَهم كيف يبحثون ويلاقون في ذواتِهم نفسِها النار – النور، كينبوع لأسرار الحياة نفسِها.

الشعلتان هما رمز النار – النور للكائن المطلَق في الإنسان، واللتان كانتا تُعطَيَان للمبتدئ قبل أن يتلقَّى إظهار العقيدَة الداخلية التي تقود إلى المسارَرَة.

لكل ديانة أسطورة تفيد كمجموعةِ كساء تُخفي الحقيقة العارية التي يفضحُها الجَهَلَة، والحمقى، والمتعصِّبون. وأسطورة ديانة ميترا هي التالي: كان يتم تصور السموات مثل قُبَّةٍ صلبة. وكان النور يضيء بدءًا من هذه السموات. وبالتالي، كوَّن المجوس الميثولوجيا التالية: ميترا (نور مجسَّد)، وُلِدَ من الصخرة (صخرة متوالِدَة)، على ضِفَّةِ النهر، تحت ظل شجرة مقدَّسَة. وكان بعض رعاة الجَبَل شهودًا على معجزة دخولِه إلى العالَم. فقد رأوه يخرج من الصخرة، ورأسه متوَّج بقبعة ملوكية، متسلِّحًا بسكِّين صيَّاد، وهو يقود شعلةً كانَت تضيء الظلمات. قدَّمَ الرعاة للطفل الإلهي ثمار محاصيلِهم الأولى، وريع مواشيهم. ومع ذلك، فالفتى البطل، كان عاريًا ومعرَّضًا للريح الباردة. فاختبأ في شجرة تين. أكل من ثمارها، وصنع من أوراقها ثوبًا له، وخرج على هذا النحو لكي يواجِه كل قوى العالَم.

التقى ميترا ثورًا، وهو المخلوق الحي الأول الذي تمَّ خلقَه من قِبَل أورمازد Ormazd. أمسك به ميترا من قرنيه، واستطاع امتطاءه، فانطلق الحيوان غاضبًا بعدوٍ سريع لكي يوقِعَه، ولكنه لم يُذعِن، فضلاً عن كونِه يتألَّم بسبب جرِّه، وتعليقِه من خلال قرنَيْه، حتى أنه، وهو مُستنفَدٌ من خلال الجهود التي قام بها، استسلم الثور لميترا. وبالتالي، أمسك الفاتِح به من حوافره الخلفية، وقاده عبر طريق شائك إلى مغارة حيث سكن فيها.

كانَت هذه الأسطورة بالنسبة للشعب موضوعَ إيمان، حيث أخذها الجميع على أنها حقيقة، في حين كان الكهنة المجوس يرون فيها رحلة الإنسان الشاقة على الأرض. فالثور هو جنسوية الإنسان أو طبيعته الخلاَّقَة، مع شهوتِها التي لا تستسلِم بسهولة. فعندما يدرِك الذكَر البلوغ، ينال منه الفزع من خلال قدرة الجنس الإغوائية، والرغبة الهائلة فيه. فإذا أراد التوصّل إلى أن يكون ميترا (إله)، فليس عليه أبدًا أن ينال منه اليأس في صراعِه، وإنما عليه الثبات حتى يسيطِر على الشهوة، ويوجِّه قواها من خلال الأقنية الصحيحة. والطريق مليء بالعقبات التي يتوجَّب عليه تجاوزها. إنها بعبارة أخرى حكاية المسارَرَة.

ذات يوم، وهو يفلت من السجن، ذهب الثور إلى الجبَل في بحثٍ عن مراعٍ، وأرسلَت الشمس إلى ميترا رسولها الغراب، وهو يحمل أمرًا بقتل الهارب. يقوم الفتى مخالِفًا مشيئته الذاتية بملاحقة الحيوان مصطحِباً معه كلبًا وفيًا حتى عثر على الثور. إذاك أمسك به من خلال فتحة أنفه بإحدى يديه، وطعن باليد الأخرى الجوانب السفلية لبطن الحيوان بسكينه الصياد.

نبتَت من جسم الثور المملكة النباتية. ووُلِدَ من عمودِه الفقري الحِنطَة التي تمنَحُ الخبز، وطَلَعَ من دمِه النبيذ الذي يُنتِج الشراب المقدَّس للأسرار.

(يُعتبَر الثور رمزًا للخليقة بسبَب حيويَّتِه، وقوَّتِه ووظيفتِه الجنسية الموجَّهَة بدرايَة. فالثور بعده التيس، هو الحيوان الأكثر قدرة وفحولة. فالفحولة تُمثِّلُ مبدأَ الحياة. والحياة يجب التضحية بها لكي تُعطِيَ الحياة. والثور هو حكايتُها المجازية، ويمثِّل البذرة الحيوية التي يجب أن تُدمَّر لكي تُثمِر. قال القديس بولس: "إن لم تمت حبَّةُ الحِنطَة فلن تحيا ثانية، ومع ذلك فإن ماتَت فإنها تعطي ثمارًا كثيرة".

أطلَقَ روح الشر من هم تحت سيطرتِه ضدَّ الثور: العقرب، والنملَة، والأفعى، وكلهم أرادوا إهلاك الأجزاء التناسلية وشرب الدم القادر على تناسل الحيوان ومع ذلك فشلوا في الأمر. فبذرة الثور المحميَّة والمطهَّرَة من قِبَل القمر (الرحم)، أنتجَت الأنواع المختلِفَة من الحيوانات المفيدة، وروحها تحت حماية كلب ميترا، وهكذا انطلق ميترا إلى الأفلاك السماوية متلقِّيًا إكرامات الألوهة، ودُعِيَ بـ سيولفانو Sivano وصار حارِس Grei.

إن المعنى الإسراري لكل ما سبق هو التالي: ميترا هو الإنسان – الله الذي عند نزوله إلى الأرض لكي يرتقي ويُحَقِّق، كانت لديه الحاجة للتضحية ببذرتِه متمثِّلةً بالثور. وكان على هذه البذرة أن تتلقَّاها (القمر – المرأة)، إيزيس، أو المادة Matéria[2] فمن خلالِها تتطهَّر. في البداية، لم يكن ميترا يريد التضحية بالثور أو الجنس، لأنه على هذا النحو يصير مائتًا لا بل حتى لا يمكنُ لبذرتِه أيضًا التوجُّه إلى أعلى، ومع ذلك توجَّبَ عليه طاعة الإله – الشمس، أي النور الداخلي المقدس، وهكذا ضحَّى بالثور، والبذرة، وتكاثرها (إنتاجُها) وتُرِكَ مذهولاً عند رؤيتِه بأن هذه المخلوقات من حضنِه (جوانب بطنِه السفلية) كان بمقدورها أن تصير آلِهَة. وعند نزول ميترا إلى المادة وزرعه بذرته (تضحيتِه) رأى بأن هذه البذرة تُنبِتُ أرواحًا تتحوَّل إلى كائنات إلهية، والتي كانت تُعتبَر وتُستقبَل كالآلِهَة.

(ميترا، والإله – الشمس، والشمس، والشعلة المقدَّسَة، كان عليها أن تسهَر بحذَر على سُلالَة آدَم. أهيرمان، إله الظلمات اجتاح الأرض بالنار عبثًا، وأراد قتل كل حي من العطَش، ولكن هؤلاء عندما تسوَّلوا المساعَدَة من منافسِه المعماري الإلهي. وهذا الأخير أطلَقَ سهامَه باتجاه الصخرة حيث خرج ينبوع ماء حيٍّ أروى عَطَشَ الجميع... أتى فيما بعد الطوفان العالَمي، وحُذِّرَ ميترا من قِبَلِ الآلِهَة، فصَنَعَ سفينة منقِذًا ثوره على هذا النحو، وهو يطفو على وجه المياه). أو في لغة الأسرار: الشعلة الإلهية داخل الإنسان أنقذته من طوفانات المادة والظلمات في رحم الطبيعة. أسطورة نوح في الكتاب المقدس ليسَت أكثر من نسخة عن أسطورة ميترا التي كُتِبَت قبل الكتاب المقدس منذ آلاف السنين.

تنتهي هنا قصَّة ميترا: في عشاء أخير للمبتدئين الذين احتفل بهم ميترا مع هيليو Hélio (إله الشمس) ورفقاء العمَل الآخَرين. وصعَدَ ميترا إلى السموات مرفوعًا من قِبَل الشمس، وسط الإشعاع الصادر من عربتِه التي ترفعُه بواسطة أربعة أحصِنة (أسطورة إيليا في الكتاب المقدس). اجتاز ميترا المحيط الذي حاول ابتلاعه عبثًا، وذهَبَ لكي يمكُثَ كالخالِدين. ولكن هناك ومن أعالي السموات، لم يتخلَّ عن حماية المؤمنين الذين أخذوا على عاتقِهم خدمتَه بتقوى وأصغوا إلى كلماته، وهو يفعل مشيئة الآب كما كان يسوع يقول.

(ميترا، وفقًا للتأويل الإسراري، ومنذ آلاف السنين قبل يسوع، قام بعشائه الأخير مع التلاميذ قبل صعودِه إلى السماء لكي "يجلِس عن يمين الآب". إن ميترا في اللغة الفلسفية، هو اللوغوس الذي صَدَرَ عن الله، وشاركَ بكليَّةِ قدرتِه، ذاك الذي صوَّرَ العالَم باعتبارِه الإله الخالِق[3]، وظلَّ ساهِرًا على هذا العالَم. ذلك أن ميترا هو مسيح الفارسيين).

مَزَجَت الأسرار الفارسية، مثلها كمثل سائر الأديان تصوّرات دنيوية مع تعاليم النشأة الكونية. وكانوا يؤمنون بالانعتاق والخلاص، ويترعرعون في البقاء على قيد الحياة الواعية. وكانوا يعتقِدون بأن الشعلة الإلهية تسكن في داخلِنا. يتهذَّبون أيضًا من خلال العقاب والثواب فيما رواء الحياة: حيث أن الأرواح التي تقطن السموات، وتنزل إلى الأرض لكي تحيي أجساد الناس، فتجيء بعضها إكراهًا، وأخرى بامتنان، لكي تخوض معركة مع الشياطين. وفي ساعة الموت، فإن آلِهَةَ الظلمة، وتلك التي للنور تتنازَع فيما بينها من أجل اجتلاب إليها الروح التي غادَرَت الجَسَد. وفي قرار خاص، كان يتقرَّر من هي الروح التي تستحق الصعود من جديد إلى الجنَّة، ولكنها إن كانت غير نقية فإن أعوان أهيرمان يسحبون الجسد والروح إلى الأعماق الجحيمية حيث يعانون آلافًا من العذابات (بشكل مكافئ لجهنم في سائر الأديان).

إن السماء مقسومة إلى سبع سموات، وكل واحِدَةٍ مرتبِطَة بكوكب. وثمَّة سُلَّمٍ مكوَّنٌ من ثمانية أبواب متموضِعَة بعضها فوق بعض، حيث السبعة الأولى مكوَّنةٌ من معادِن مختلِفَة، وكان الطريق الذي يتعيَّن اتِّباعَه لبلوغ المنطقة الأعلى للنجوم الثابتة (المعنى نفسه للسُّلَّم من سبعة سموات للكنيسة، وللسبعة أسرار ماسونية، هكذا مثل حلم يعقوب بالسُّلَّم الصاعِد إلى السماء).

للعبور من درجة إلى الدرجة التي تليها، فعلى المبتدئ أن يتعرَّف على عبارات مقدَّسَة لكي يرضي ملاك أورمازد الذي يحرس البوابة. وفقط الروح التي تحرَّرَت من أهوائها بوسعِها الصعود إلى السموات بعدما عاشَت على الأرض. ولذلك، توجَّبَ على الروح أن تسلِّمَ القمَر طاقتَها الحيوية والمغذية، وللشمس قدراتها الفكرية الباردة، وللمريخ حبها للحرب، وللمشتري أحلامها بالأطماع المادية الجامحة، ولزحل ميولها الأرضية. وهكذا بعد أن تتجرَّد الروح من كل رذيلة تلج السماء الثامنة، ووقتئذٍ تُستقبَل كشعلة إلهية بعودتِها إلى حضن النور، بواسطة المسارَرَة. إيه نعم، فذلك يحصَل عبر خبراتِها من خلال العود إلى التجسد.

ترجمة: نبيل سلامة

*** *** ***


 

horizontal rule

[1]  الفالية (ما يتعلَّق بالذكَر عضو التناسل) وعبادته عند شعوب كثيرة كما سوف نرى في نص الدراسة هذا، وما تعنيه من رموز وخفايا. (م)

[2] Matéria جذرها اللاتيني Mater وهو يعني الأم. (م)

[3]  إنه نفس أو روح العالَم وفقًا لفلسفة أفلاطون. (المنهل)

 

 

 

 

الصفحة الأولى
Front Page

 افتتاحية
Editorial

منقولات روحيّة
Spiritual Traditions

أسطورة
Mythology

قيم خالدة
Perennial Ethics

 إضاءات
Spotlights

 إبستمولوجيا
Epistemology

 طبابة بديلة
Alternative Medicine

 إيكولوجيا عميقة
Deep Ecology

علم نفس الأعماق
Depth Psychology

اللاعنف والمقاومة
Nonviolence & Resistance

 أدب
Literature

 كتب وقراءات
Books & Readings

 فنّ
Art

 مرصد
On the Lookout

The Sycamore Center

للاتصال بنا 

الهاتف: 3312257 - 11 - 963

العنوان: ص. ب.: 5866 - دمشق/ سورية

maaber@scs-net.org  :البريد الإلكتروني