الإسلام والإرهاب

 

محمد علي عبد الجليل

 

على الرغم من الأزمة المعرفية المرعبة التي يعاني منها الإسلام اليوم والجمود الفكري الإسلامي، لا يمكننا على الإطلاق، كما يروِّج البعضُ، أنْ نلقيَ بالإسلام جملةً وتفصيلاً في سلة المهملات ولا أن نَنْعَتَه بأنه كلُّه شَرٌّ بِشرّ.

وإذا جارينا هؤلاءِ البعضَ في رفضهم القاطع للإسلام جملةً وتفصيلاً كدين له بُعده الديموغرافي الذي لا يقلُّ حجمًا عن حجم أزمته المعرفية، فما البديل العقائدي المطروح من قبل هؤلاء المثقفين على هؤلاء المليار مسلم.

ولو افترضنا أنَّ 90 % من الإسلام ضلال، فإنَّ الأَولى أنْ يتَّبعَ هؤلاءِ المليارُ مسلم هذا المنهج الديني من أنْ لا يتَّبعوا شيئًا ويبقوا تائهين معلَّقين في الفضاء في عالم مادي يحتاج فيه الإنسان إلى نقاط علاّم من أجل الوصول. الأفضل للمرء أنْ يتّبع طريقًا خاطئًا من أنْ يبقى مكانه ساكنًا، إذْ لا بدَّ له أنْ يكتشف الحقيقة عاجلاً أو آجلاً.

ثم كيف يمكننا أنْ نُقنِع شخصًا بفكرة أعلى من مستوى وعيه؟! كيف يمكن لطفل لا يستوعبُ أكثرَ من عمليتَي الجمع والطرح أنْ يحلَّ معادلاتٍ من الدرجة الثالثة؟

لماذا لا يقوم هؤلاء المتثقفون المهاجمون لكل الإسلام بتقديم منهجهم الفكري والديني البديل إلى المسلمين بتصرُّف لأن عقول المسلمين مازالت في مرحلة الطفولة؟

عندما جاءت المسيحية لم تستطع أنْ تلغيَ اليهوديةَ بل كانتِ امتدادًا لها؛ وكذلك الإسلامُ الذي ارتكزَ على اليهودية كثيرًا وعلى المسيحية قليلاً لم يُـلْغِ حتى العاداتِ البدويةَ والقبليةَ السائدةَ في مكان تشكُّله بل قعَّدها وأصَّلها. ولهذا فإنَّ نقلَ الإسلامِ بكلِّيتِه إلى سلة المحذوفات يؤدِّي أيضًا إلى رمي جزء من اليهودية والمسيحية اللتَينِ انبثقَ منهما أصلاً.

فالإسلام لم يهبطْ هكذا فجأةً من السماء إنما وُلِدَ من رحم ما سبقه، فهو إذنْ ليس إلا استمرارية لسابقه. فالخبرة العلمية والروحية تراكمية. ولا يولَدُ دِينٌ من فراغ، بل كالطفل يولد ضعيفًا وتتهيأ له البيئة المناسبة لنموه. ولهذا لا يمكن بهذه التبسيطية المرعبة أيضًا أنْ نمحوَ الإسلامَ الذي تشكل عبر قرون، بل نحتاج أيضًا إلى سنين وربما إلى قرون لتهيئة التربة المناسبة للتغيير، هذا إذا أردنا التغيير فعلاً.

ثم كيف يمكنُ لأستاذٍ أنْ يقولَ لتلميذٍ في الصف الأول: "اتركْ صفَّكَ وتعالَ أُلحقَكَ بالصف السادس"، وذلك قبلَ أنْ يمرَّ هذا التلميذُ بالصف الثاني والثالث والرابع والخامس كي تتوسَّعَ مداركُه. ليس المقصودُ بذلك أنَّ الإسلامَ هو مدرسة ابتدائية والأديان الأخرى هي مدارس عليا، بل المقصودُ هو أنَّ هناك مستوياتٍ في كل دين: ففي الإسلام هناك مدرسة ابتدائية وإعدادية تحضيرية وثانوية ومدرسة عليا، وكذلك في جميع الأديان.

المطلوب إذنْ من المثقفين اليوم ليس أنْ ينقلوا المسلمين من مدرسة الإسلام الابتدائية إلى مدرسة ثانوية أو عليا أخرى مغايرةٍ تمامًا وغريبة عنهم لا يفهمون لغةَ تدريسها ولا مناهجَها، بل أنْ ينقلوا المسلمين من مدرسة الإسلام الابتدائية إلى مدرسة الإسلام التحضيرية فالأعلى ثم الأعلى.

إنَّ التجارب الروحية العظيمة لكل من الحلاج وابن عربي والسهروردي القتيل والنِّـفَّـري البليغ والجُنَيد وأبي يزيدٍ البسطامي وغيرهم الكثير لهي تجارب تستدعي الانتباهَ وتكاد تفوقُ تجاربَ كثيرٍ من أبناءِ المدارس الأخرى.

ثم إذا كان البديل عن الإسلام الحالي المتآكلِ البُنيان هو الديمقراطية فإنَّ أوَّلَ الطريق لتطبيقها هو أنْ يَـتَـرَوَّى هؤلاءِ الناقدون قبل هدمه ويوجهوا طاقاتهم وإمكاناتهم لصياغة المنهاج البديل الذي من شأنه أنْ ينقلَ هؤلاءِ المسلمين البدائيين إلى مرحلة أعلى. وحتى إذا لم يَرَ هؤلاءِ الناقدون أملاً في تطوير المسلمين وتحضيرهم فمن الأَولى أيضًا الكَفُّ عن نقد أناس لا أملَ منهم.

ومن هذا المنطلق فإنَّ عليهم، لكي يعالجوا مسألةَ الإرهاب، أنْ يتعاملوا معه ليس على أنه فيروس إسلامي بل على أنه فيروس ديني بشكل عام، أي يجب أنْ يفكّوا التلازمَ بين الإسلام والإرهاب وأنْ يربطوا الإرهابَ بالدين والمجتمع... وبذلك يمكننا رؤية المشكلة من منظور بانورامي شمولي غير جزئي، لأنه لا علمَ إلا بالكليات.

لقد حدَّدتْ الآيةُ /62/ من سورة البقرة ثلاثَ شروط فقط للنجاة (أو الخلاص) هي:

1-   الإيمانُ بالله

2-   الإيمان باليوم الآخِر

3-   العمل الصالح.

ففي هذه الآية لم يَرِدِ الإيمانُ بنبوَّة محمد كشرطٍ من شروط الخلاص. تقول الآية: (إنَّ الذينَ آمنوا [أي طائفة محمد] والذين هادوا [اليهود] والنصارى [إحدى الطوائف المسيحية في عصر محمد وربما هي "الأبيونية" وغالبًا ما تُطلَق هذه التسمية على المسيحيين بشكل عام] والصابئين [المندائيين] مَـن: (1) آمنَ باللهِ (2) واليومِ الآخر (3) وعمِلَ صالحًا فلهم أجرُهم عند ربِّهم ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون).

وبهذا فإنَّ المسلمين واليهودَ والمسيحيين والصابئين ناجون بشرط أنْ يستوفوا شروطَ النجاة الثلاثة. وهذا ما ذهبَتْ إليهِ الآيتانِ الأخيرتانِ (7 و8) من سورة الزلزلة كقانون كارمي صارم وعام لا استثناءَ فيه لأحد: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ).

ولهذا، فإنَّ أملَ المسيحي الذي يعمل صالحًا ولا يؤمن بنبوَّة محمد أملَه في الخلاص أكبرُ بكثير من أملِ المسلم المؤمن بنبوَّة محمد ولكنَّه لا يعمل صالحًا.

فليتوقَّفْ المسلمون إذن عن إدراج المسيحيين في فئة الضالين.

وبديهيٌّ أنَّ القتلَ والإيذاء (اللذَينِ هما أساسُ الإرهاب) ليسَ عملاً صالحًا بحسب معايير جميع المعتقدات والأديان. أما الآياتُ القرآنية التي تحرِّضُ على الجهاد فيجب، من أجل فهمها، وضعُها ضمن إطارها التاريخي والسياسي أو فهمها من منظور صوفي و/أو باطني رمزي.

وبحسب قول المسيح المرسَل على الإطلاق: (مَن آمنَ بي وإنْ ماتَ فسيحيا)، فإنَّ المسلمين الذين يؤمنون بيسوعَ المسيح (وإنْ بطريقة مختلفة) كركن أساسي من أركان إيمانهم لهم أيضًا خلاصٌ خارجَ المؤسسة الدينية المسيحية التي قيَّدَتْ قولَ المسيح والمسيحَ أيضًا وجعلَتِ الإيمانَ به مرتبطًا حصرًا بها. فهذه الآية لم تذكر طريقة الإيمان بيسوع المسيح.

فليتوقَّف المسيحيون أيضًا عن إدراج المسلمين في فئة غير المؤمنين الذين لا خلاصَ لهم.

الخلاص إذنْ مسألة إيمانية شخصية بحتة بحسب جميع المعتقدات والأديان.

لماذا الإرهابُ إذنْ؟؟!

الإرهاب ليس إلا مسألةً سياسية تتستَّرُ بالدين.

كلّ قتل باسم الدين إرهاب.

هل تاريخُ المسيحية أنقى من تاريخ الإسلام؟

هل الحروب الصليبية أقل دموية من الفتوحات الإسلامية؟

وهل محاكم التفتيش المسيحية أرحم من اتهامات التكفير والزندقة في العصور الإسلامية؟

وهل –مثلاً- إدانةُ "غاليليه" (الذي أجبرتْه الكنيسةُ على إنكار اكتشافه لكروية الأرض) وحرقُ القِس "غيوردانو برونو" في ساحة الورود في روما (والذي أثبت صحةَ فكرة "كوبرنيكوس" في دوران الأرض حول الشمس) يختلف كثيرًا عن صلب "الحلاج" ونفي وتكفير "ابن رشد" وتقطيع أعضاء "ابن المقفع"؟؟!

وهل التعصبُ المسيحي بأقلَّ من التعصب الإسلامي بمختلف طوائفه؟؟

وهل قرارُ البابا "إينوسنت" الثالث بإبادة "الكاثاريين" الغنوصيين بتهمة الهرطقة يختلف عن فتاوى ابن تيمية بتكفير الطوائف الباطنية (الغنوصية أو العرفانية)؟؟

لا داعي لذكر ديمقراطية "بوش" الأصولية في مواجهة إرهاب الأصولية الإسلامية.

ثم ماذا نسمّي دعوةَ القِس الإنجيلي الأمريكي "بات روبرتسون" Le pasteur télévangéliste Pat Robertson إلى اغتيال الرئيس الفنزويلي "هوغو شافيز" Hugo Chavez، حتى وإن اعتذر؟؟ وإذا كان عذرُه أنه كان محبَطًا عندما أطلقَ دعوته هذه، فإنَّ "الإرهابيين" الإسلاميين الذين قاموا بتفجير برجَي التجارة العالمي وبعمليات أخرى كانوا على الأغلب محبَطين.

ألا تشعرون أنتم أيضًا بالإحباط عندما ترونَ أنَّ الوضعَ العربي والإسلامي الحالي كلُّه إحباطٌ في إحباط وعندما تسمعون أيضًا مثل هكذا دعوات للقتل من قبل رجال دين يُفتَرض أنهم دُعاة سلام؟؟

يبدو أنَّ أغلبَ المسيحيين قد مسحهم "بعـلزبول" مسحةَ الرضا بينما أسلمَ أغلبُ المسلمين أنفسَهم له.

لقد تمَّ ربطُ ثور الإرهاب بهلال الإسلام كما سبقَ ربطُه بصليب المسيحية.

كي لا ننسى أنَّ "جلبابَ" الإرهاب المعلَّق حاليًا على شماعة الأصولية الإسلامية غير البريئة منسوج بخيوط أصولية أخرى.

*** *** ***

29-8-2005

 الصفحة الأولى

Front Page

 افتتاحية

                              

منقولات روحيّة

Spiritual Traditions

 أسطورة

Mythology

 قيم خالدة

Perennial Ethics

 إضاءات

Spotlights

 إبستمولوجيا

Epistemology

 طبابة بديلة

Alternative Medicine

 إيكولوجيا عميقة

Deep Ecology

علم نفس الأعماق

Depth Psychology

اللاعنف والمقاومة

Nonviolence & Resistance

 أدب

Literature

 كتب وقراءات

Books & Readings

 فنّ

Art

 مرصد

On the Lookout

The Sycamore Center

للاتصال بنا 

الهاتف: 3312257 - 11 - 963

العنوان: ص. ب.: 5866 - دمشق/ سورية

maaber@scs-net.org  :البريد الإلكتروني

  ساعد في التنضيد: لمى       الأخرس، لوسي خير بك، نبيل سلامة، هفال       يوسف وديمة عبّود