الصعود نحو السماء1

 

ناظر عبد الحق

 

العودة إلى الغربة

لاشك أن أي عقيدة شمولية لابدَّ وأن تستند في بنائها على منظمومة متكونة من مجموعة من القضايا الفكرية والقيمية التي تسعى من خلالها إلى بلورة رؤية شاملة لكل مفردة من مفردات الوجود، والإجابة عن التساؤلات الأزلية التي تتعلق بالطبيعة وما وراءها من خلال تفسيرات ومقولات تعد المائز الذي يميزها عن غيرها من العقائد، من غير أن يعني ذلك ضرورة وجود نسبة منطقية ثابتة كالتناقض أو التضاد بين المنظومات العقائدية لجهة كثرة القضايا التي تتضمنها العقائد المختلفة، لكنه يعني حتمًا أن انطباق عنوان عقيدة ما على معتنقها يستلزم خضوعه لاشتراطاتها، ووقوفه على محدداتها، والعمل بمقتضى رؤيتها طبقًا لمنظومتها تلك. ولا يكفي في ذلك أن تولد معه عقيدته أرثًا وفي مرحلة لاحقة تستحيل تلقينًا ليجد نفسه في النهاية على هذه العقيدة أو تلك، حاملاً لمسؤولية تشكيل وعي الجيل اللاحق على ذات النسق الذي تشكَّل عليه وعيه، بل إن الحديث يأخذ منعطفًا أشد خطورة عندما نتحدث عن العقائد الدينية لأن التوريث العقائدي مخالف تمامًا لأساس بعثة الأنبياء الذي يهدف إلى إخراج الناس من ظلمات وأغلال الجبرية العقائدية إلى نور الحرية وفضاء الاختيار الواسع.

ويتبدَّى ما سبق بشكل جلي في الديانات الإبراهيمية الثلاث وفي باقي العقائد الدينية، وإن كان بشكل أقل وضوحًا. وتعد هذه الإشكالية من أبرز الإشكاليات التي ساهمت في انحراف العقائد – ولا زلت هنا أتحدث عن العقائد الدينية – عن مسارها الذي أراده لها المنادون بها.

والعقيدة الإسلامية واحدة من تلك العقائد التي عانت من موضوعة التوريث العقائدي، على الرغم من أن الحدود والسمات التي وضعها الإسلام للمسلم، بما فاضت به السماء، والتي ينبغي أن يتمتع بها الفرد لكي يكون مسلمًا، لا تمت بأية صلة ومن أية جهة لكونه خرج من هذه البطن أو تلك، أو أنها متعلقة بميدان نشوءه وبيئته، ومن هذه السمات والشروط:

1.    وعلى اللهِ فليتوكِّلِ المؤمنون[1].

2.    إنَّما المؤمنون الذين إذا ذُكِرَ اللهُ وجلتْ قلوبهمْ وإذا تُليتْ عليهم آيَاتُهُ زادتهمْ إيمانًا وعلى ربِّهمْ يتوَكَّلون[2].

3.    إنَّما المؤمنونَ إِخْوَة[3].

4.    الذين إذا ذُكِرَ الله وجلتْ قلوبهمْ والصَّابرين على ما أصابهم والمقيمِي الصَّلاة وممَّا رزقناهم يُنفقُون[4].

5.    المسلم أخو المسلم[5].

6.    المسلم من سلم الناس من يده ولسانه[6].

7.    لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه[7].

وكثير غيرها من الآيات والروايات المشابهة لما سبق التي يمكن أن تعد دالات حقيقية يستدل بها على انطباق عنوان المسلم٭ على الفرد من عدم انطباقه، مع الأخذ بنظر الاعتبار الأس الأعظم وهو الشهادتان، وما عدا ذلك سيكون مصداقًا لقوله تعالى: "وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنَّا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنَّا معكم إنَّما نحن مُستهزئون"[8].

ولا نعبأ بعد ذلك بالانطباق القسري لعنوان دين بعينه على معنون ما، لأن هذه القسرية قد تكون مبررة فيما إذا كان الفرد فاقدًا للقدرة على التمييز وعاجزًا عن الرؤية بمستواها الطبيعي، أمَّا إذا كان متمكنًا من ذلك، ولو بالحد الأدنى، وقادرًا على النظر في خياراته التي ينبغي أن تكون متاحة فلن يكون من الدين أن يحجر عليه بين جدران معتقد موروث ومنعه من ممارسة حقه في اختيار العقيدة التي تناسبه نظرًا لآيات كثيرة تعطي حق اختيار العقيدة للإنسان بصفته المجردة عن أية أعراض أخرى كقوله تعالى: "وقل الحق من ربك فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"[9].

إن الإشكالية الخطيرة التي أنتجها لنا الفكر الإسلامي الداعي إلى تحكيم الانتساب في تحديد الهوية العقائدية للمسلم وغيره هي اصطباغ الكثيرين من أتباعه بصبغة الإسلام الظاهرية مع خروجه عنه عند تطبيقات الشروط والسمات آنفة الذكر، والتي توسلنا بها لتكون كاشفًا عن حقيقة انطباق العنوان على معنونه، وبالتالي أصبح الإسلام هو الذي يعاني من قسرية انطباقه على مصاديقه أكثر مما تعانيه المصاديق من انطباق مفهومه عليهم. وقد أشار نبي الإسلام محمد (ص) إلى قلة المصاديق الحقيقة للإسلام وغربتها بين مصاديق زائفة ومصاديق تعود في حقيقتها إلى مفاهيم ومعتقدات أخرى بقوله: "بدا الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا"[10] ليؤكد المعاناة المتبادلة بين مفهوم يفتقد لحوامل حقيقية تمثله في الخارج ومفردات تائهة بين كونها حوامل لذلك المفهوم أو لمفاهيم أخرى، الأمر الذي يدعو وبإلحاح إلى إيجاد حلول تمتزج فيها الدينية بالواقعية لكي لا تضطر المصاديق الوهمية للمضي في طريق تشكيل المفهوم بالمقاييس التي تلائمها سعة أو ضيقًا بحسب ما تمليه عليه ضروراتها أو مصالحها، أيًّا كانت هذه الضرورات أو المصالح، ذاتية أو موضوعية. وسواء كان الإسلام استشرف ظهور مثل هذه الإشكالية غيبيًا أو خضع لحتمية ولادة النقيض أو المخالف من رحم نقيضه فقد وضع لها حلولاً من داخله يمكن الاستعانة بها كمفاتيح لأبواب عرصة الإسلام التي يجب أن تكون مشرعة للداخلين فيه أو الخارجين منه بلا خشية حد تكفير أو ردة (والتي سنفرد لها مقالاً مستقلاً نثبت فيه أن عقوبتها آخروية محضة) كقوله تعالى: "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي"[11]، ويعضدها قوله تعالى: "أفانت تكره الناس أن يكونوا مؤمنين"[12]، وقوله تعالى: "وقل الحق من ربك فمن شاء فليؤمن ومن شاء ومن شاء فليكفر". منبهين في النهاية على أن استبطان العقيدة الإسلامية في منظومة التراث والتقاليد لدى المعتقد لا يعطيه الامتياز الآخروي بالنظرة الإلهية أو النبوية المستمدة منها ما لم تستوطن وعيه الذي يمكن أن يكون طريقًا لاستواءها في قلبه.

*** *** ***


 

horizontal rule

[1]  آل عمران 160، المائدة 11، التوبة 51.

[2]  الأنفال 2.

[3]  الحجرات 10.

[4]  الحج 35.

[5]  المكاسب، الشيخ الأنصاري، ج 2، ص 20. عوالي اللآلئ، بن ابي جمهور الاحسائي، ج 3، ص 473. فقه السنة، الشيخ سيد سابق، ج 1، ص 598. الكافي، الكليني، ج 2، ص 166.

[6]  الحدائق الناضرة، المحقق البحراني، ج 2، ص4. علل الشرائع، الصدوق، ج 2، ص 523. مسند الإمام أحمد بن حنبل، ج 2، ص 224.

[7]  المجموع، محيي الدين النووي، ج 1، ص 31. سنن الدارمي، ج 2، ص 307. شرح مسلم، النووي، ج 2، (بزيادة أو قال لجاره)، ص 16.

٭ ولا تحسبني غافلاً عن الفرق بين المسلم والمؤمن، ولكن شمولية الفكرة ولأن الخروج عن الإيمان في غالبه هو خروج عن الإسلام جعلني اغض الطرف عن ذلك.

[8]  البقرة 14.

[9]  الكهف 29.

[10]  صحيح مسلم، ج 1، ص 90. مسند الشهاب بن سلامة، ج 2، ص 139. أحكام القرآن، بن العربي، ج 2، ص 229.

[11]  البقرة 256.

[12]  يونس 99.

 

 الصفحة الأولى

Front Page

 افتتاحية

                              

منقولات روحيّة

Spiritual Traditions

 أسطورة

Mythology

 قيم خالدة

Perennial Ethics

 إضاءات

Spotlights

 إبستمولوجيا

Epistemology

 طبابة بديلة

Alternative Medicine

 إيكولوجيا عميقة

Deep Ecology

علم نفس الأعماق

Depth Psychology

اللاعنف والمقاومة

Nonviolence & Resistance

 أدب

Literature

 كتب وقراءات

Books & Readings

 فنّ

Art

 مرصد

On the Lookout

The Sycamore Center

للاتصال بنا 

الهاتف: 3312257 - 11 - 963

العنوان: ص. ب.: 5866 - دمشق/ سورية

maaber@scs-net.org  :البريد الإلكتروني

  ساعد في التنضيد: لمى       الأخرس، لوسي خير بك، نبيل سلامة، هفال       يوسف وديمة عبّود