المادة في الفيزياء

 

معاذ قنبر

 

هناك تساؤل كان وما يزال يرافق الفكر البشري منذ نشأته كوعي بالعالم، تساؤل محوره بنية العالم المادي والقوى المؤثرة فيه، وقد بدأت الأجوبة من الفلاسفة الذين حذَّرونا قديمًا من أخطاء الحواس التي قد تُظهر لنا العالم المادي على غير مما هو عليه، مؤكدين أن البعد الجوهري للمادة أكبر وأوسع رحابة بكثير مما تُظهره لنا الحواس، واليوم تعود الفيزياء لتكمل المهمة قائلة بأن المادة ليست فقط أعقد من قدرة حواسنا على التمييز، بل هي أعمق غورًا من قدرة عقلنا على الفهم والتفسير.

فالفراغ المروع بين الذرات هو من السمات المميزة للأحجار المكونة للمادة، والمدهش أن تلك الذرات التي تحدث عنها ديمقريطس منذ القرن الرابع قبل الميلاد ولاقت الكثير من الأخذ والرد بين مثبت ومعارض، لم تلاحظ بشكلها الإحصائي حتى عام 1660، عندما لاحظ بويل السلوكيات الذرية للغاز، أما الدليل النهائي على وجودها تجريبيًا فقد انتظر حتى القرن العشرين[1].

وقد أثار قدماء الفلاسفة اليونان جدلاً واسعًا حول طبيعة التغيير في المادة، فذهب هيرقليطس إلى أن كل شيء معرض للتغيير بصورة أو بأخرى، بينما اعتمد بارمنيدس الرأي القائل أن الأشياء ثابتة على ما هي عليه، أما ديمقريطس فقد عرض مخرجًا لهذه المشكلة، مفترضًا أن كل المواد مكونة من وحدات غاية في الضآلة لا تقبل التجزئة هي الذرات، هذه الذرات ثابتة لا تتغير إلا أنها تتجول في الفراغ وتتحد بطرق مختلفة مما يسبب الاختلاف بين الأجسام المرئية، وبذلك يكون التغير موجودًا في العالم المرئي، ولكنه يبنى على إعادة ترتيب للذرات الثابتة التي تكونه. وبمعنى آخر، اقترح ديمقريطس طريقة لمعرفة تركيب المادة بأخذ أيَّة قطعة من أيَّة مادة وتقطيعها إلى أجزاء صغيرة، ثم تقطيع كل جزء من هذه الأجزاء إلى أخرى أصغر منها... وهكذا حتى يصل الإنسان إلى أصغر جزء ممكن من المادة التي اقترح لها اسم الذرة أو الآتوم، التي تفيد معنى ما لا يتجزأ أو لا يقبل القسمة، حيث – وفق هذا التصور – يتكون العالم من ذرات أو خلاء، أي المادة والعدم اللذان يشكلان موضوع المعرفة الحقيقية[2].

ولم يختلف تصور علماء عصر النهضة عن المادة عن تصور الفلاسفة الأقدمين، فالمادة عند برونو هي مادة أولية بالأصل تتشكل بحسب ما تتلقاه من صور وكيفيات، وبخصوص مسألة اتصالها أو انفصالها، ينفي برونو إمكانية انقسامها إلى ما لا نهاية وإلا أصبحت برأيه كل المقادير متساوية كونها لا متناهية، لذا فإن على الفيزيائيين والرياضيين، في رأيه، أن يرفضوا مفهوم القابلية للانقسام اللامتناهي، وهذا قاده للقول بنظرية تعتبر المادة مكونة من أجزاء لا تتجزأ أو جواهر فريدة غير قابلة للانقسام، أي إلى النظرية الذرية، التي تحدث عنها ديمقريطس وعارضها أرسطو[3]. وهذا ما تصوره غاليليو بعد ذلك بحوالي ثمانية عشر قرنًا مؤكدًا على الفكرة القائلة إن المادة مؤلفة من ذرات لا تنقسم. وحتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر كانت المادة تعتبر عنصرًا ثابتًا في تحول الظواهر، فهي لا تتبدل في كتلتها، وقابلة للحركة بفعل القوى، والتجارب الكيميائية تمت وتفسرت بنجاح منذ القرن الثامن عشر، بفضل فرضية الذرة المستمدة من العصور القديمة، وهذا أدى إلى الاعتقاد بأن الذرات تظهر باعتبارها الكائن الحق، وهي البذور الخالدة للمادة، كما أن الصفات المحسوسة للمادة ظلت كما كانت في فلسفة ديمقريطس الذرية، ظواهر سطحية، فالرائحة واللون والسخونة والبرودة والقساوة، ليست في حقيقتها خواصًا للمادة، بل نتيجة للتفاعلات المتبادلة بين المادة وحواسنا، وبذلك تولَّدت الصورة المبسطة للعالم وفق مادية القرن التاسع عشر القائلة إن الذرات، وهي تؤلف الكائن اللامتبدل الحق، تتحرك في المكان والزمان، وتولِّد بترتيبها وتحركها المظاهر المتنوعة، في عالمنا المحسوس.

وقد جاء نيوتن في كتابه الأشهر المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية ليذهب كما ذهب ديمقريطس، حيث عامل المادة كشيء خامد غير فعَّال، إذ كان يرى المادة كما يراها الناس في غمار الحياة العادية الدائمة، شيئًا جامدًا يصدم الحواس ويخضع لقوانين الطبيعة في الحركة وغيرها خضوعًا غير مشروط. ويتلخص تصوره هذا في قوانينه الثلاث المشهورة: الأول خاص بالقصور الذاتي القائل إن الجسم يظل على حالته ما لم يطرأ عليه أي تغيير، فالمتحرك يظل متحركًا والثابت يظل ثابتًا ما لم تؤثر فيه قوة خارجية، وفكرة القصور الذاتي هذه تلعب دورًا أساسيًا في نظريته عن العالم، فإذا وجدت مادة في حالة سكون، فهي ستظل كذلك إلى الأبد ما لم تؤثر عليها قوة خارجية، وبالمثل في حال الحركة، فالمادة وفق هذا التصور في حالة سلبية وانفعال مطلقين[4]؛ والثاني خاص بتناسب القوة والسرعة، حيث تتناسب القوة الواقعة على جسم ما تناسبًا طرديًا مع تغير كمية الحركة التي يحدثها ذلك الجسم في زمن ما، أي أن القوة التي تؤثر في جسم ما تساوي كتلة الجسم في سرعته؛ والثالث هو قانون تساوي الفعل ورد الفعل، حيث لكل فعل رد فعل مساو له في المقدار ومضاد له في الاتجاه. ومن هنا كان للفلاسفة ميكانيكي النزعة في القرن السابع عشر فضل تكريس تصوُّر معين للمادة مفاده أنها عاطلة تمام العطالة، ولا تخفي في داخلها أسرارًا أو كيفيات سحرية أو قوى غريبة، بل هي امتداد هندسي يملأ المكان ويشغله بحيث لا يبقى فيه فراغ أو خلاء[5]. كما أن القوانين البسيطة للميكانيك النيوتوني انعكاسية تمامًا إذا اعتبرنا الزمن، إلا أننا نعلم أن العالم الحقيقي ليس بهذا الشكل، فكر في إسقاط حجر على الأرض، عندما يصطدم الحجر بالأرض فإن طاقته حركية تتحول إلى حرارة، لكن إذا وضعنا حجرًا مماثلاً على الأرض وسخناه بنفس المقدار فإنه لن يقفز إلى الهواء، والسبب أنه في حالة الحجر الذي يسقط على الأرض تتحول صورة مرتبة من الحركة تمثلها الذرات التي تسقط في نفس الاتجاه، إلى صورة غير مرتبة للحركة حيث تتدافع الذرات مع بعضها بطاقة عشوائية، ويتفق ذلك مع أحد قوانين الطبيعة القائل بالجنوح نحو عدم الترتيب باستمرار وهو قانون الإنتروبية، فإذا وضعت طاقة حرارية عديمة الترتيب في حجر، فإنه في هذه الحالة لا يستطيع استخدام هذه الطاقة ليخلق حركة مرتبة لكل الذرات فيه لتقفز جميعها إلى الأعلى معًا[6]. وقد وجد بولتزمان طريقة في تعريف الإنتروبيا بوصفها مقياسًا إحصائيًا لحركة مجموعة من الذرات، وبيَّن أن حالات التصادم بين الذرات تدفع بالإنتروبيا إلى قيمتها العظمى، وهو مصدر فكرة أن الإنتروبيا تتعلق بالنظام والفوضى، فلو أن الذرات السريعة (الحارة) في وعاء به غاز تكدست جميعها في جانب، فيما بقيت الذرات البطيئة (الباردة) في الجانب الآخر، لكان هذا وضعًا على درجة غير عادية من الترتيب والنظام، أما إذا اختلفت كل الذرات، تصادمت واشتركت في طاقتها بالتساوي الممكن، فسوف تحصل على القدر الأعظم من الإنتروبيا، آنذاك تكون الذرات غاية في الفوضى، أي مرتبة بأقصى قدر ممكنة من العشوائية، وسوف يعم بشكل منتظم الجهل بالمقاصد التي تروم الذرات تحقيقها[7].

كما ظل مصطلح الأثير باعتباره وسيطًا سحريًا للضوء لدى كل القائلين به، من أرسطو حتى نيوتن وماكسويل، يوظف لحل إشكالات لم يكن العلم قادرًا على حلها، إذ افترض نيوتن أن ثمة وسطًا يملؤه الأثير مثلما يحيط الهواء بالقشرة الأرضية، إلا أن الأثير أخف من الهواء وألطف وأكثر لدونة منه، فهو مادة تملأ أرجاء الفضاء وتتخلل كل الأجرام والأجسام الصلبة والسائلة والغازية، وتغييرات الوسط الأثيري هي التي تفسر ظواهر الانكسار والانعكاس التي تطرأ على الضوء الذي يفترض أن الأثير هو الوسط الذي ينتقل من خلاله. والقوى التي تؤثر بواسطتها الأجسام في بعضها البعض، هي الجاذبية والمغناطيس والكهرباء، ولا توجد قوى أخرى سواها، فكأن الطبيعة هي حقل قوى، ولو كان العالم يتركب من مادة خالقة بحتة لا أثر لأي قوى فيها تؤثر عن بعد – كما قال جاسندي وديكارت – لما استمر ت الحركة[8]. وسنجد أن أول ما ضحت به النظرية النسبية كان هو مفهوم الأثير، لأن افتراضه موجودًا أو الانطلاق من أنه غير موجود سيان، ولا يغير ذلك من الأمر شيئًا[9].

ورغم تزعزع تلك النظرة في بداية النصف الثاني للقرن التاسع عشر، فإن المبدأ بقي نفسه، حيث استبدل مفهوم المادة بمفهوم الحقل الكهربائي، وبدأت الصورة المجردة للمادة التي تحمل القوى تدخل ضمن مفهوم الأثير، أما الذرات فقد بقيت على موقعها باعتبارها الكائن الحق.

هذا التبسيط المفرط للواقع الحقيقي، ما لبث وأن حل محله مفاهيم أكثر تجريدًا، تدخل الكائن والظروف في اضطراب الوصف الحقيقي للبنية الذرية للمادة لأننا اليوم في سعينا إلى رسم صورة لهذه الجسيمات المادية لم نعد نستطيع أن نغض النظر عن العملية الفيزيائية التي تقدم لنا المعلومات، فكل عملية رصد للجسيمات العنصرية المادية تثير فيها اضطرابات لا يمكن إهمالها، ونحن لا نستطيع بتاتًا التكلم عن سلوك جسيم دون أن نأخذ في الحسبان طريقة رصده، ذلك أن القوانين الطبيعية التي نصوغها في نظرية الكم بعبارات رياضية، لم تعد تخص الجسيمات العنصرية بحد ذاتها، بل تخص المعلومات التي نستقيها عنها، فمسألة البحث عما إذا كانت هذه الجسيمات موجودة من تلقاء ذاتها في المكان والزمان لم يعد بالإمكان طرحها على هذا الشكل، فواقع الأمر، لا يمكن التحدث إلا عن حوادث تتوالى عندما نحاول من خلال الفعل المتبادل بين الجسيم وأية جملة فيزيائية أخرى كأجهزة القياس أن نعرف سلوك الجسيم.

فهل يمكن لنا وفق هذا التصور أن نربط المادة وتصورنا للعالم في وحدة فكرية فلسفية واحدة؟ يقول لنا الفلكيون أنه عندما ننظر إلى كوكبة كالجبار مثلاً، فإننا نرى نجومًا منفصلةً ليس فقط بالمسافة، ولكن بالزمن أيضًا، وعلى فرض أنه لا شيء يمكن له أن ينتقل بسرعة أكبر من سرعة الضوء، فإن نظرية الانفجار الكبير تتضمن أن أقصى ما يمكن أن نرى هو عشرة أو عشرين مليار سنة ضوئية في كل اتجاه، ولكن هذا لا يعني أنه لا يوجد شيء أبعد من هذا الحد، فمن موقعنا الممتاز على الأرض، يمكن أن نكتشف مصدرًا للطاقة على بعد 15 مليار سنة ضوئية في الاتجاه الذي نسميه شمالاً، ثم ندير آلاتنا ونكتشف مصدرًا آخر يبعد 15 مليار سنة ضوئية جنوبًا، وسيكون البعد بين المصدرين 30 مليار سنة ضوئية، ولكن لا نستطيع أن نراها، فالضوء الذي انطلق من أي شيء وراء أفقنا لم يتوفر له الوقت لكي يصل إلينا[10]، وبالتالي تبدو حدود المادة ما يزال ضمن تخميناتنا، ولا شيء يضمن لنا القدرة على فهم وإحاطة مادة العالم سواء من حيث المسافات الهائلة الكبر أو الصغر. ووفقًا لنظرية الكوانتم، فإن الفراغ الذي اعتقدنا يومًا أنه خالٍ، يغلي، في الواقع، بالطاقة التي تخلق باستمرار أزواجًا من جسيمات تقديرية، هي مادة ومادة مضادة، تقفز وتتوهج أذنابها للحظة قبل أن تبيد إحداها الأخرى وتعود إلى الفراغ[11].

ومنذ العصور القديمة في اليونان، والفلاسفة يتناقشون حول ما إذا كانت مادة الواقع متصلة أم منفصلة، إذ ظلت أفكار أرسطو بالعناصر الأربعة المكونة للمادة (الهواء والماء والنار والتراب) مستقرة دون أية زعزعة حتى القرن الثامن عشر، عندما جاء التصور الجديد–القديم، وهذا التصور الجديد للمفارقة لم يأتي من الفيزياء بل من الكيمياء، حيث درس الكيميائي لافوازيه سبب احتراق الأشياء، وقد حدد في دراسته عناصر حقيقية عديدة هي المواد الكيميائية النقية التي لا تتفكك إلى مواد كيميائية أخرى، حيث تحقق أن الاحتراق ليس عملية أولية تكونها النار، بل هو ناتج عن العملية التي يتحد بواسطتها أوكسجين الهواء الجوي بالعناصر الأخرى. وفي القرن التاسع عشر تمكن دالتون من وضع دور الذرات في الكيمياء على قدمين ثابتتين عندما قرر أن المادة تتكون من ذرات غير قابلة للانقسام، وهي لا تخلق ولا تفنى لكنها تخضع لإعادة ترتيب أثناء التفاعلات الكيميائية[12].

وبعد هذا التطور الهائل في الكيمياء جاءت الفيزياء لتدلي بدلوها في التصور الجديد للمادة من خلال ماكسويل وبولتزمان، وكانت السمة الرئيسية لهذه الأفكار الجديدة هي أن سلوك الغاز يمكن تفسيره بتطبيق قوانين الميكانيك النيوتوني بطريقة إحصائية على أعداد كبيرة من الذرات أو الجزيئات، ففي أي وقت يمكن أن يتحرك أي جزيء في أي اتجاه، لكن التأثير الجمعي لهذه الجزيئات الكثيرة المتصادمة مع جدران الإناء كل ثانية هو حدوث ضغط ثابت، وهو أمر ظل لا يحظى بموافقة جميع العلماء حتى مجيء أينشتاين، الذي تتمثل جرأته من خلال تعرضه لمسألة الجاذبية والحركة غير المنتظمة، وفي إلغائه لفكرة الفضاء المسطح، وإدخاله فكرة الزمكان المقوس، على اعتبار أن وجود المادة في الزمكان يعني وجود كتلة وجاذبية، وهذا يمكن أن يسبب التشوه أو التقوس في الزمكان، وبينما الأجرام ذات الجاذبية تتحرك، فإن المكان والزمان يتشكلان بحيث أن المزيج منهما يتغير، فالمادة تخبر الفضاء كيف ينحني، والفضاء يخبر المادة كيف تتحرك[13]. ولو أمكن للطاقة أن تُنتَج من لا شيء، أو أن تختفي، أي تتحول إلى لا شيء لقلنا حينئذ إنها غير مصونة، لكن في جميع التجارب التي أقيمت على مر التاريخ، كان يكتشف دومًا أن الطاقة الكلية التي نبتدئ بها تساوي تمامًا الطاقة الكلية التي ننتهي بها، فالطاقة مقدار مصون في الطبيعة[14]، وهي بذلك تشابه البنية الذرية لمادة الكون (الإلكترونات والنواة) التي لا يمكن زيادتها أو إنقاصها.

أما معادلته القائلة بأن الطاقة تساوي الكتلة بمربع سرعة الضوء، فإن مغزاها عميق جدًا، فهي تخبرنا أن الجسيم يظل يمتلك طاقة وهو بحالة السكون، فالكتلة العطالية تكافئ تمامًا مقدارًا معينًا من الطاقة، وهذه العلاقة البسيطة تخبرنا أن الطاقة والكتلة على الرغم من اختلافهما الظاهري، فإنه بالإمكان أن تتحول إحداهما إلى الأخرى من حيث المبدأ، وبذلك تحرر وتطلق العنان لكامل الطاقة بالكون سواءً أكان ذلك في السراء أم في الضراء[15]. وتُفسر النسبية العامة الثقالة بأنها تَقوُّس وانحناء – أو التواء، في هندسة بنية الزمكان بسبب وجود المادة. وبالتالي المادة ليست سكونية بشكل مطلق، بل تملك طاقة كامنة، حتى وإن كانت ساكنة، وهنا مغزى التصور الثوري مقارنة بما رأينا عند نيوتن الذي رفض أي فعالية إيجابية للمادة.

فقبل النسبية كان العلماء يعتبرون الكون مجرد وعاء فيه عنصران متمايزان هما المادة والطاقة، فجاء أينشتاين وأعلن أن الكتلة والطاقة وجهان لشيء واحد، فما الكتلة المادية الساكنة إلا طاقة مركزة، وعلى ذلك فالمادة هي طاقة ساكنة، والطاقة هي مادة تتسارع، فهي إحدى مكونات المادة، وحين تتحرك المادة بسرعة الضوء نسميها طاقة، وإذا همدت الطاقة بحيث يمكن إدراك كتلتها نسميها مادة[16]. لقد عرفنا من النسبية أن أشكال الطاقة كلها ليست فقط كتلة – طاقة – تولد الجاذبية، بل إن الجاذبية نفسها هي شكل من أشكال الطاقة، وحيث أن الجاذبية هي كذلك، فإن جاذبية الشمس نفسها تصنع جاذبية، فمعظم جاذبية الشمس ما تزال تأتي من كتلتها، والقرب من الشمس يعني أن الجاذبية قوية، فهناك مساهمة صغيرة تضاف إلى الجاذبية نفسها، وبالنسبة لكل جسيم يدور هناك، يشعر بجاذبيته أكبر من المتوقع من قانون التربيع العكسي لنيوتن[17].

ومع ثورات القرن العشرين في الفيزياء، جاء تومسون ليثبت وبشكل تجريبي وجود الإلكترون كجسيم أساسي في تركيب المادة منهيًا التصور القديم للمادة التي تكونها ذرات غير قابلة للتجزئة أو الانقسام، فالذرة لم تعد وفق هذا التصور الجديد جوهرًا نهائيًا غير قابل للانقسام كما قال الفلاسفة اليونان منذ عهد ديمقريطس، لكنها خليط من شحنات موجبة وسالبة بحيث يمكن طرد الالكترونات منها[18]. ففي القرن التاسع عشر، وبعد ظهور مفهوم الذرات مرة جديدة، نجد علماء الكيمياء ينظرون إلى الذرات كشيء يختص بخواص ملموسة، إنها تحوز بطريقة ما خصائص المادة التي تمثلها، ويمكنها أن تنفصل أو تلتصق على ذرات أخرى وفقًا لخصائص كل منها، لقد كاد علماء الكيمياء يتصورون الذرات في الجسم كأشياء ثابتة لا تتحرك، تشغل الفراغ كبرتقالات في قفص، غير أن علماء الفيزياء فكروا بطريقة مختلفة، لقد كانت ذراتهم كريات صلبة دقيقة، تلف بسرعة عالية في مكان يكاد يكون فارغًا، تتصادم أحيانًا ببعضها البعض فترتد مولدة الحرارة، حيث أصبحت صورة عن الطاقة الحركية للذرات[19].

ومع الكم أصبحت النظرة الإحصائية لتصور المادة أمرًا لا يمكن إلا الموافقة عليه. لنفترض على سبيل المثال أني سائر أمام محل للحلويات في يوم مشمس، عندما أقف أمام زجاج المحل أرى قطعًا من الحلوى، وفي نفس الوقت أرى صورة باهتة لوجهي بانعكاسه عن زجاج المحل، فما الذي حصل؟ تسقط أشعة الشمس، أي دفقات من الفوتونات، على وجهك، فينعكس قسم منها ويتجه نحو النافذة، وعند النافذة يتابع العديد من الفوتونات طريقه عبرها ليضيء قطع الحلوى في الداخل وقسم آخر سوف ينعكس ويعود لعيني فأرى نفسي. هذا ما يحدث لمجموعة الفوتونات، ولكن عندما نسأل عما يحدث لفوتون واحد منفرد، وما الذي سيقرره الانعكاس أم النفاذ ضمن الزجاج، نجد أن شرودنغر قد قدم إجابة قد تصدمنا، فهناك قسم من التابع الموجي للفوتون الوحيد ينفذ عبر الزجاج، وقسم آخر ينعكس إلينا. إذًا نستطيع فقط أن نقول إن هناك إمكانية باحتمال معين للفوتون أن ينفذ عبر الزجاج أو ينعكس عنه، الفوتون نفسه لم ينقسم إلى قطعتين واحدة نفذت وأخرى لم تنفذ، لكن تابعه الموجي فعل ذلك. تكمن إذًا هنا الإجابة في أننا حتى لو عرفنا كل شيء عن لوح الزجاج والفوتونات والحلويات، فإننا لن نقدر على فعل شيء أجود من حساب احتمال انعكاس الفوتون عن لوح الزجاج أو النفوذ منه[20]. ومغزى ذلك أننا في بنية المادة الجسيمية الموجية نجد الأشياء المتماثلة لا تسلك الطريق نفسها في ظروف متماثلة، وبدلاً من ذلك، فإن لها فرصة متماثلة للسلوك في طريقة خاصة، فكل فوتون مماثل للآخر، وهو يصل إلى النافذة البلورية لديه فرصة أن ينفذ كأي فوتون بنسبة 95%، والفرصة نفسها ليرتد بنسبة 5%، وليست هناك طريقة لتعرف ما الذي سيحدث للفوتون بالضبط، فهو بارتداده أو نفاذه خاضع تمامًا للفرص العشوائية[21]. وللتوضيح يمكننا جدلاً تخيل أن الموجة الخاصة بالإلكترون قد احتويناها في صندوق، بديهي أن الجسيم الذي هو الإلكترون ذاته يكون في موضع ما في الصندوق، ثم تخيل أننا شطرنا الصندوق شطرين وأقمنا حاجزًا بينهما، طبقًا لقواعد الكم فإن موجة الإلكترون ما زالت موجودة في كلا النصفين عاكسة حقيقة أننا في بحثنا عن الإلكترون كموجة فإنه يحتمل وجوده في كلا الشطرين، لكن المنطق البديهي يفترض أنه لا يمكن أن يوجد إلا في واحد من النصفين. تخيل الآن شخصًا ما نظر بالفعل إلى محتوى الشطرين، ورأى الإلكترون في إحداهما، من الواضح هنا أن الموجة الاحتمالية يجب أن تختفي من النصف الآخر حيث علم وعينا الآن أنه خاو، فما ظهر بالنسبة للموجة الآن، هو ما نطلق عليه غالبًا انهيار المعادلة الموجية، التي يبدو أنها لا تحدث إلا بتدخل الوعي المُراقب، فإذا لم يقم وعي ما بالتدخل فإنها لن تختفي أبدًا[22].

إن البنية الفيزيائية للمادة تبين لنا أن التصور المنطقي المتعارف عليه للمادة المرئية قد لا ينطبق بالضرورة على واقعها اللامتعين، كيف يمكن لنا أن نتصور ذلك، نفهمه بالتجريد، باللغة الرياضية. ويعتبر لغزًا أنه يمكن أن نبني رياضيًا الأشياء التي يبدو أنها أزيلت إلى حد بعيد من العالم الذي نعيش فيه، والملغز أيضًا أكثر ما يتبين أحيانًا من أنها مفيدة[23]، فقد تكون المادة فيزيائيًا أكثر من مجرد كتلة مؤثرة حسيًا على الأجسام، إنها مجال طاقوي حدسي عقلي يؤثر بالتصورات العقلية وفهمنا للعالم. لذلك عند التصور النظري الحقيقي لفيزياء المادة علينا أن نحاول نسيان الفكرة المدرسية التي تصور الذرة مكونة من الكترونات تشبه كواكب صغيرة تدور حول النواة، وقد كانت فكرة بور مشابهة لتلك الفكرة في البداية، لكنها فكرة مضللة، فالإلكترون هو شيء يقبع خارج النواة، ويمتلك كمية معينة من الطاقة وبعض الصفات الأخرى، ويتحرك بطريقة غامضة، والأمر يحدث كما لو اعتبرت أن الإلكترونات موجودة ببساطة في حالات مختلفة تقابل مستويات مختلفة للطاقة داخل الذرة، ويمكن أن يحدث القفز من حالة إلى أخرى، في الاتجاهين، إلى أعلى سلم الطاقة أو إلى أسفله، فإذا امتصت ذرة ما الضوء، فإن الكوانتم سيستخدم لتحريك الإلكترون إلى مستوى أعلى من الطاقة (درجة أعلى من السلم) فإذا عاد الإلكترون وسقط إلى حالته الأصلية بالضبط، فإنه سيشع الطاقة نفسها[24]. لذلك أكد هايزنبرغ على نقطة هامة، هي أن معرفتنا للعالم المادي نفسها هي أداتية بالدرجة الأولى، فنحن لا نستطيع القول إن المادة مؤلفة من ذرات أو طاقة، نستطيع فقط أن نقول إننا نعرف المادة عن طريق الذرات أو الطاقات، وهذا لا يعني أن المادة تتألف من هذه أو تلك، والتعامل مع الوحدات الأساسية للمادة الطبيعية مستحيل، فحينما نصل إلى عالم التركيب النووي، يستحيل علينا التحديد[25]. وقد أوضحت النظرية الكمومية أن المدارات الإلكترونية حول النواة في الذرة، لا تشبه مدارات الكواكب الكبلرية حول الشمس، فهي أشياء غامضة غير واضحة، يمكن النظر إليها وكأنها موجودات مأسورة واقعة في شرك الذرة، حيث لا يمكن للإلكترون فيها أن يكون له موضع واندفاع محددان بدقة في الوقت نفسه، وهكذا نشير غالبًا إلى حركة الإلكترونات حول النواة في الذرة على أنها تشكل غمامة إلكترونية[26].

ومن أهم الدروس العميقة التي قدمتها الفيزياء عن المادة في القرن العشرين، نجد تماذج مفهومي القوة والجسيم معًا ليكونا كيانًا مشتركًا موحدًا، حيث تنجم القوى عن تبادل الجسيمات، كالفوتونات، بين جسيمات أخرى، كالإلكترونات والبروتونات المشحونة كهربائيًا، ويشكل هذا التبادل ببراعة وحذق البنية التحتية لما نسميه الطبيعة. فطبقًا للنظرية الكمومية فإن التركيبات الغريبة للحالات هي ليست ممكنة فقط، بل مضمونة، ويمكن أن تكون الذرة في أماكن عدة في آن واحد، أو تعمل أشياء عديدة في وقت واحد، ومع ذلك فكل إلكترون مماثل للآخر، وكذلك الفوتون أو البروتون، فالجسيمات المجهرية لا يمكن أن تُخدش أو تميز بأي طريقة، فلا نستطيع وشم الإلكترون، إنه غير قابل للتمييز بكل ما لهذه الكلمة من معنى (فتصوروا معي وفق تلك المفارقات المذهلة أنه لا يوجد في الكون سوى إلكترون واحد فقط يظهر بأشكال وأعمال هائلة التعدد وفي وقت واحد)، والأمر نفسه ينطبق على بقية الجسيمات، وربما هذا ما يجعل العالم الذي نعيشه ممكنًا[27].

فالكون متماثل ومتداخل بآن واحد، وبنية المادة بالإطار العام ذات تصور نسبي بكل ما تشكله من أحداث زمانية ووقائع مكانية، وهذا ما تؤكده النسبية، فالمكان والزمان والمادة التي تكونهما كلهم نسبيي الطابع، والأطوال كالفترات الزمنية تصبحان منحرفتين في سرعات قريبة من سرعة الضوء. إن رؤية شخص ما في المكان، هي ليست نفسها لشخص آخر في المكان، وكذلك فترة شخص ما في الزمان، هي ليست نفسها لآخر[28]. والفوتون يتحرك طبيعيًا بسرعة تعادل سرعة الضوء، وهو ما يعني أن الزمن لا يعني شيئًا للفوتون (نعرف حسب النسبية أن الزمن يتباطأ بزيادة السرعة، وعند حد سرعة الضوء يتوقف الزمن تمامًا)، فالفوتون الذي يترك نجمًا بعيدًا ويصل إلى الأرض قد يستغرق آلاف السنين في هذه الرحلة، ولكنه لا يستغرق أي زمن على الإطلاق بالنسبة للفوتون نفسه، وقد يكون الفوتون الموجود من الخلفية الإشعاعية الكونية من وجهة نظرنا قد قطع نحو 15 مليار سنة من الانفجار الكبير الذي بدأ به الكون الذي نعرفه، لكن الانفجار الكبير وحاضرنا يعني الزمان نفسه بالنسبة للفوتون. ولأن الحركة عبر الزمان بالنسبة للفوتون ليست ذات معنى، فإن الفوتون هو نفسه جسيمه المضاد، فكل شيء في الكون من ماضي وحاضر ومستقبل متصل بكل شيء آخر بشبكة من الإشعاع الكهرومغناطيسي الذي يرى كل شيء في اللحظة نفسها[29]، هذا ما قاله فاينمان، والأمر نفسه ينطبق على بقية الجسيمات، وما نلاحظه هو تعبير عن إدراكنا الحسي، وليس الواقع الأساسي. ومن الممكن أن يحتج أحد على منح المادة تصورات رياضية مجردة كليًا حسب نظرية الكوانتم بالقول إن هذه التصورات الرياضية تحدث في كل وقت في الفيزياء الكلاسيكية، والدليل على ذلك المجال الكهرطيسي، وهو تجريد لا يضيرنا كثيرًا أن ننسبه إلى المادة، أو نمنحه مادة، ولكن الدالات الموجية الكمومية تبدو أثيرية أكثر بكثير من الأمواج الكهرطيسية، فالمجال المغناطيسي الكهربائي يوجد في حيز فيزيائي يمكن أن نمشي فيه هنا وهناك، ونقيس شدته من نقطة لأخرى، أما الدالة الموجية فتوجد في مجال رياضي يسمى حيز الشكل، وتصنع موجاتها في منطقة خيالية لا نستطيع معرفتها بشكل مباشر[30]. إذ تبين أن الذرة، التي على شكل كرة بلياردو، التي لا تنقسم عند القدماء، ليست فقط تنقسم، ولكنها تتكون في معظمها من فراغ تملؤه جسيمات غريبة تأتي بأشياء غريبة، وهذه الجسيمات نفسها مزدوجة الجوهر بين جسيم وموجة. ومن الطريف في الأمر مفارقة أن تومسون حصل على جائزة نوبل في الفيزياء سنة 1906 لإثباته وجود الإلكترون كجسيم، وبعد 31 عامًا حصل ابنه جورج تومسون على نفس الجائزة سنة 1937 عندما أثبت أن الإلكترون موجة، وكلاهما كانا على صواب، ففي داخل الذرة يكون كل تصور تقريبي وزائف، وليس بمقدورنا إيجاد تشابه فيزيائي يمكننا من فهم ما يحدث داخل الذرات، فالذرات تسلك مثل الذرات، ولا شيء آخر. وصورنا الذهنية عن الذرات باعتبارها كرات صغيرة، مأخوذة أساسًا من الحياة اليومية التي تسود فيها الفيزياء التقليدية، ولكن عندما نصل إلى النطاق الذري فإننا نحتاج إلى مفاهيم جديدة غير تقليدية، هذه المفاهيم متضمنة رياضيًا في معادلات الميكانيك الكوانتي[31]. وأفضل من عبَّر عن هذه الحالة هو بور قائلاً بأن الصورتين النظريتين، فيزياء الجسيمات وفيزياء الموجات، صالحتان بالدرجة نفسها، وهما وصف يكمل بعضه للواقع نفسه، وليس كل وصف قائم بذاته كاملاً، لكن هناك ظروف تجعل من الأنسب استخدام مفهوم الجسيمة، وظروف أخرى تجعل من الأنسب استخدام مفهوم الموجة، أما الكينونة الأساسية لبنية المادة كالإلكترون، فهي ليست موجة ولا جسيمة، لكنها تحت بعض الظروف تسلك بهذا الشكل أو ذاك، ولا يمكن تحت أي ظرف اختراع تجربة تظهر الإلكترون أثناء سلوكه المزدوج مرة واحدة، فالموجة والجسيم مظهرين مكملين للإلكترون[32]. وهذا هو التعبير الملطف والسلس لمبدأ هايزنبرغ بالارتياب الذي يشمل أعمق أسرار المادة، فنحن إما أن نراقب حركة الإلكترون كموجة، وإما موقعه كجسيم، ولا يمكن أن نجمع الاثنين معًا، فحركته الموجية تغيب موقعه الجسيمي، وموقعه الجسيمي يغيب حركته الموجية.

إن الأشياء التي ندعوها اليوم بالجسيمات الأولية التي تمثلها الكواركات التي يتشكل منها البروتون والنيوترون، واللبيتونات التي تشكل مجموعة الإلكترونات والنيوترينو، والبوزونات المسئولة عن قوى التماسك النووي في الطبيعة، هي ضمن حدود معارفنا الراهنة نقاط مادية لا بنية لها، ورغم غنى تلك الجسيمات بالخواص المتنوعة كالشحنة والكتلة والسبين أو الفتل، فإن أبعادها الفيزيائية معدومة، يمكن تخيل هذه الجسيمات التي تكون المادة كما لو أنها منكمشة إلى حجم صفري مخلفة وراءها أثر ابتسامة لا غير. والغريب في الأمر أن هناك مجموعتين من الجسيمات بالإضافة إلى المجمعة المذكورة تحتوي كواركات ذات تسميات اصطلاحية مختلفة (الذروي والجميل والتاو) هي مكونات كواركات المجموعة الثالثة، وكواركات (الفاتن والغريب ولبيتون الميون ونتيترينو الميون أن أن) الذين يشكلون المجموعة الثانية، أما المجموعة الأولى المعروفة التي تكون البنية الأساسية لمادتنا فتتكون من كواركات (العلوي والسفلي وليبتون الإلكترون)، وكل مجموعة تالية هي نسخة عن التي سبقتها إلا أنها أكثر ثقلاً، ويبدو أن مادتنا لسبب أو آخر تكونها بالأغلب الأعظم المجموعة الأخف وهي المجموعة الأولى[33]، فما هو سبب وجود تلك الكمية من جسيمات المجموعة الثانية والثالثة التي لا حاجة لنا بها البتة في تكون مادتنا المألوفة؟ وهل هناك مجموعات أخرى؟ تلك أسئلة ما تزال مفتوحة تحتاج إلى حلول ومحاولات فلسفية وعلمية للإجابة عليها. إننا نواجه دائمًا في نظرتنا الفيزيائية للعالم المادي اختلافًا ظاهريًا بين المعلومات الكمومية والكلاسيكية، ونحن عادة نعتبر المعلومات بوصفها وجودًا حول شيء ما، شيء عادي ككرة لها لون وشكل ووزن وحجم، صفات تلازم نوعًا ما من مادة تحتية، ولكن ماذا عن المادة التحتية نفسها؟ عندما نصل إلى ذلك المستوى، فإنه يبدو أن لا شيء هناك سوى الصفات[34]. وإذا كان الإلكترون يتصرف كالموجات، فمن المعقول أن نتوقع أن تتصرف الجسيمات الأخرى بالكيفية نفسها، وهو الأمر الذي أكدته التجارب بالفعل، وما إن استقرت الصورة الموجية للجسيمات دون الذرية، حتى أصبح من الواضح أن أشياء غريبة يمكن أن تحدث على مستوى الذرات والأنوية. افترض مثلاً أن شعاعًا من الإلكترونات قابل قوة مجال تمثل حاجزًا كهربائيًا، فإذا كانت القوة قوة تنافر، فمن الطبيعي أن نتوقع انحراف الإلكترونات بعيدًا باعتبارها جسيمات، وإذا كانت القوة تجاذبًا، فإننا نتوقع انحرافها باتجاه القوة، أما بالنظر إلى الصفة الموجية للإلكترونات، فإن هذا التوقع الساذج معرض للاستثناء، فكما أن لوح الزجاج يعكس بعضًا من الأشعة، ويحرر البعض الآخر، فإن مجال التجاذب سيعكس دائمًا قدرًا من الإلكترونات، ومعنى ذلك أن قدرًا من الإلكترونات، باعتبارها موجات، سوف ترتد من منطقة الجذب، بالضبط كما لو أن كرة الجولف اندفعت اتجاه الحفرة وعند حافتها غيرت رأيها فارتدت عنها متباعدة[35].

وقد علل بور لزميله هايزنبرغ سببًا ملزمًا لتجزئة العالم بطريقة مختلفة – أي التخلي عن مفهوم الاتصال – لكي تكون الإلكترونات عند طاقات معينة، ويمكن بصورة أساسية أن تقفز من مستوى إلى آخر دون أن تنتقل في المكان بينها. إذ بدأ الفيزيائيون بتجزئة العالم إلى أصناف يمكن أن نفهمها بالحدس، قوة، كتلة، سرعة، تسارع، فلطية، شحنة، تردد. وقد ميز إدخال اللف أو السبين نقطة تحول بدأ فيها العلماء بالمألوف، أي صورة دوامة اللف، وجردوها إلى عوالم بالكاد يمكن تصورها، ويعتبر لغزًا أنه يمكن أن نبني رياضيًا الأشياء التي يبدو أنها أزيلت إلى حد بعيد من العالم الذي نعيش فيه، والملغز أيضًا أكثر ما يتبين أحيانًا من أنها مفيدة.

كما أشار بور إلى أنه في الفيزياء التقليدية نتصور أن منظومة أي جسيمات متداخلة تعمل مثل الساعة، بصرف النظر عما إذا كانت مراقبة أم لا، أما في فيزياء الكم فإن المشاهد يتداخل مع المنظومة لدرجة أن المنظومة لا تنظر إليه كوجود مستقل، فإذا اخترنا قياس الموقع بدقة، فإننا نجبر الجسيم أن يطور المزيد من عدم التيقن من كمية الحركة، والعكس صحيح، ولا توجد تجربة تكشف عن سمات الجسيم والموجة معًا، ويمكننا في الفيزياء التقليدية وصف موقع الجسيمات بدقة في الزمان والمكان والتنبؤ بمسلكها بنفس الدقة، أما في الكم، فلا نستطيع، وفي هذا السياق حتى النظرية النسبية تعتبر كلاسيكية، بتعبير آخر يمكن القول إن ما يحدث عندما يجري العالم الملاحظة التجريبية هو: أولاً يجب أن نسلم بأن مجرد ملاحظة الشيء تغير منه، وأننا نحن الملاحظون جزء حقيقي فعلاً من التجربة، ولا يوجد شيء مثل الساعة التي تدق سواءً أكنا ننظر إليها أم لا؛ وثانيًا كل ما نعرفه هو نتائج التجربة، نستطيع النظر إلى الذرة لنرى الإلكترون عند مستوى طاقة A، ثم عند النظر ثانية نراه عند المستوى B لأننا نظرنا إليه ولكننا في الواقع لا يمكننا أن نجزم بأنه هو نفس الإلكترون، ولا نستطيع أن ندلي بأي شيء عما يحدث عندما كنا لا ننظر إلى الإلكترون، وما يمكن تعلمه من هذه التجارب وفق نظرية الكم هو أنه من المحتمل أن نصل إلى الإجابة A إذا نظرنا إلى نظام ما، وقد نحصل على الإجابة B عند النظر مرة أخرى، ولا نستطيع أن نقول شيئًا عما حدث عندما كنا لا ننظر إليه، أو كيف وصل النظام من الحالة A إلى الحالة B، والقول عن الذي حدث بين الحالتين، أو عن كيفية الانتقال من حالة لأخرى لا معنى له[36]، بحث تغدو مقولات الفيلسوف كانط عن المادة المكانية والزمان المطلقين لا معنى لها. وعندما بدأ العلماء يتحدثون عن ازدواجية الموجة–الجسيم، فإنهم لم يقصدوا بذلك أن الشيء له الخاصيتان معًا، بل أنه يمكن أن يظهر بهذه الخاصية أو تلك، بحسب الظروف، وهذا ما جعل بور يؤكد أن التساؤل حول طبيعة الإلكترون وماهيته الجسيمية أم الموجية لا معنى له، فلكي يلاحظ المرء الإلكترون عليه أن يقوم ببعض القياسات، وذلك عن طريق إجراء تجربة، والتجارب المصممة للكشف عن الموجات تقيس دائمًا الخواص الموجية للإلكترون، بينما تلك المصممة للكشف عن الجسيمات، تقيس الخواص الجسيمية، فليس من تجربة على الإطلاق تقيس المزيج من نوعي الخواص.

وقد نظر شرودنغر إلى التركيب الذري نظرة تقليدية، فرفض فكرة ذرة بور القائلة بإلكترونات تقفز بشكل مفاجئ من فلك إلى آخر مؤكدًا أن هذا النوع من عدم الاتصال لا ينتمي إلى الفيزياء. وقد ألمح في أبحاثه فيما بعد أنه أصبح بالإمكان فهم قفزات بور الكمومية لا على أنها تغير مفاجئ وغير متصل، بل على أنها تحول انسيابي من نمط موجي ساكن إلى نمط آخر حيث تعيد الموجة تشكيل نفسها، ولكن بطريقة سلسلة، الأمر الذي أسعد أينشتاين إلى أبعد الحدود، فقد أصر شرودنغر على أن الجسيم ليس كرة بليارد صغيرة، بل حركة من الموجات المجمعة بإحكام تخلق الوهم بشيء منفصل، حيث اختزل كل شيء إلى الموجات التي تعبر عن الاتصال التحتي الذي لا انقطاع فيه، فلن يكون وفق هذا التصور، أي كينونات منفصلة، ولن تكون هناك قفزات كمومية، ولا تحولات سلسة من وضع لآخر[37]. وهو الطرح الذي خالف تمامًا ميكانيك المصفوفات المنفصلة لهايزنبرغ، ومع ذلك ما لبث شرودنغر أن اكتشف أن ميكانيكا الموجات الذي وضعه ليس على هذا الاختلاف الأساسي الكبير مع ميكانيكا المصفوفات، بل ترتدي النظريتان زيين رياضيين مختلفين، حيث تطل علينا من جديد تتامية بور.

وفي بداية القرن العشرين كانت أفضل وجهة نظر علمية حول العلم الطبيعي تتطلب فلسفة مزدوجة، فمن الممكن وصف الأجسام المادية بمدلول الجسيمات أو الذرات، لكن الإشعاع الكهرومغناطيسي الذي يتضمن الضوء والمادة، لا بد من وصفه بمدلول الموجات، ولذا وجد أن الطريقة التي يتدخل بها الضوء والمادة تقدم أفضل فرصة لتوحيد الفيزياء وتجاوز تصوراتها الكلاسيكية التي نجحت فيما سبق[38].

وفي المقابل في العالم الكبير نجد في الكون الواقعي المادي، لا توجد أية إشارة إلى كون مجموعة من المجرات لها حافة في أي مكان، ومن ثم لا يوجد سبب للحديث عن مركز للكون، أو منطقة تتباعد عنها المجرات. ومن المفهوم أنه إذا كانت المجرات تتباعد عن بعضها البعض، فمعنى ذلك أنها كانت متقاربة، وإذا ما أخذنا هذا المنطق يلوح للمرء أنه لا بد أن كان هناك زمن كانت فيه مادة الكون منضغطة معًا، ومن الأخطاء الشائعة في فهم الانفجار العظيم والكون المتمدد أن هذه المادة المنضغطة الأولية كانت موجودة في مكان ما من الخواء السابق على الكون، وأن شظايا هذه البيضة الأولية قد تناثرت إثر الانفجار، لكن الواقع هو أن التمدد يجب فهمه على اعتبار أنه في الفضاء ذاته، حاملاً معه المجرات، وعلى ذلك فحين كانت كل مادة الكون متجمعة معًا، كان ذلك لأن الفضاء بين المجرات كان متقلصًا، فالفضاء نفسه، شأنه شأن الزمن والمادة، خلق في لحظة الانفجار البدئي العظيم، حيث لم يكن هناك خارج، حدث فيه الانفجار[39].

ومع ولادة نظرية البوزيترون المضاد للإلكترون وذو الشحنة الموجبة، تطور تصور أن لكل جسيم نظير في العالم المرآوي بما يسمى بالمادة المضادة، وإذا صدف وأن اجتمع معًا جسيم مادة مضادة مع جسيم مادة فإنهما سيدمران بعضهما البعض في ومضة من الفوتونات.

لقد نبعت فكرة المادة المضادة من أهم تقدم علمي في القرن العشرين مثلته النسبية والكموم، فقبل هاتين النظريتين كان من المفترض أن المادة لا تفنى ولا تخلق من العدم، بمعنى أن حصيلة الكون من المادة مقدار ثابت، لكن أينشتاين أثبت أن الكتلة هي صورة من صور الطاقة، فجسيم كالإلكترون يمكن النظر إليه كتكتل مركَّز من الطاقة، ولأن الطاقة تظهر في صور متعددة، يمكن للمادة أن تتحول إلى أشكال مختلفة[40].

ومن هنا يعد التنبؤ النظري بوجود المادة المضادة من قبل بول ديراك، الذي أثبت وجودها تجريبيًا في وقت لاحق، أحد أهم النتائج العلمية في القرن العشرين، حيث عرفنا لأول مرة أنه يوجد لأي صنف من الجسيمات الأولية في الطبيعة، صنف موافق من الجسيمات المضادة، فعلى سبيل المثال، للإلكترون ذي الشحنة السالبة، جسيم مضاد يدعى البوزيترون ذي الشحنة الموجبة، وله كتلة الإلكترون نفسها، وعندما بتصادم مع الإلكترون فإن كليهما يختفيان مخلفين وراءهما فوتونات تحتفظ على مصونية الطاقة، ومع وجود المادة المضادة نجد أن هناك تناظرًا كبيرًا في الطبيعة. لكن الواقع بنظرة مدققة نجد أن هذا التناظر ليس مطلقًا، فلو كانت كذلك لفنيت المادة مع مضادتها ولما كنا موجودين، وهذا يقودنا إلى القول إن الجسيم ومضاده يتصرفان بطريقتين مختلفتين قليلاً بعضهما عن بعض، وهذا الانتهاك للتناظر في الواقع الفيزيائي مُرحب به في كوننا، فإذا عدنا إلى اللحظات البدئية للانفجار العظيم، عندما كان الكون هائل الحرارة، نجد أن هناك وفرة نسبية متساوية لكل من المادة وضدها، ولكن عندما بدأ الكون بالتبرد، وبسبب وجود انتهاك للتناظر المطلق أمكن لبعض البقايا الجسيمية الثقيلة جدًا للمادة أن تتحلل بطريقة مختلفة قليلاً عن مقابلاتها من المادة المضادة، وقد سمح هذا اللاتناظر بترجيح إنتاج زيادة صغيرة من المادة العادية مكونة الهيدروجين. بعد ذلك تبرد الكون أكثر فأكثر، ورافق ذلك إفناء كل ما تبقى من المادة المضادة، والقسم الأكبر من المادة لبعضها البعض، وظلت هذه الزيادة الضئيلة للمادة العادية باقية، ومنها تكون ما نراه اليوم في الكون[41]. وعلى ذلك قد يكون التناظر جميلاً في المادة، لكن اللاتناظر كان الوسيلة الأنجع لنشوء مادة نتمتع بتناظرها الجميل.

وفي نفس الوقت بدأت الحاجة إلى مادة معتمة تتسلل إلى الكونيات قبل الحرب العالمية الثانية عندما لاحظ الفلكي الهولندي جان أورت أن المجرات تسلك وكأنها أكثر ضخامة مما تبدو بكثير، فإذا كان يمكن الركون إلى قياساتنا للمسافات، فإن المجرات بما فيها مجرتنا، تلف بسرعة أكبر مما توقعته قوانين الفيزياء، فهي سريعة إلى درجة أنها لا يجب أن تكون موجودة بتأثير القوة النابذة الناتجة عن سرعتها، بل يجب أن تتفتت منذ زمن بعيد، وهنا كان لا بد من ابتكار شيء جديد يجعل المجرات تتماسك بما لا يؤدي إلى انهيار جاذبية نيوتن وتحسينات أينشتاين، هذا الشيء هو المادة غير المرئية التي يبدو أنها لا تبعث إشعاعًا أو تبعثه بدرجة لا يمكن رصدها، وطوال سنوات، رأت دراسات إضافية، اعتمادًا على هذه الحجج وحدها، أن نسبة المادة غير المرئية إلى المرئية، هي عشرة إلى واحد[42]. وقد اضطر الكثير من الفلكيون في محاولاتهم لتصحيح مشكلات في قصة الخلق الكوني إلى استنتاج أن المادة المظلمة تلك، تختلف عن مادة الكواكب والبشر والنجوم.

والآن ماذا يمكن لتصوراتنا الذهنية التي هي انعكاس لمادة مرئية فقط أن تخبرنا؟ لا تستطيع عيوننا المجردة أن ترى من الكون المرئي أكثر من عيون إنسان نياندرتال، لكن العِلم، إنتاج خيالنا، مدد حيز خيالنا كثيرًا، ويمكن لعيننا الداخلية أن تتعمق إلى ما بعد قبة النجوم المرئية، إلى العالم غير المرئي للسدم والمجرات والذرات وبنيتها. إن المادة كالحياة والمجتمعات، فمن داخل نظامها لا يُرى إلا الاختلاف، أم من خارجه لا يُرى سوى التماثل، تماثل لا يرى من الداخل، تمامًا كما لا يرى الاختلاف من الخارج. يقول هايزنبرغ إنه من عديد التجارب نرى شمول كل من المادة والإشعاع على ازدواجية في الصفات، حيث تظهر أحيانًا خواص الموجات، وأحيانًا أخرى خواص الجسيمات، ومن الواضح الآن أن الشيء لا يمكن أن يكون حركة موجية ويتألف من جسيم في نفس الوقت، فكلا المفهومين مختلفان جدًا، الضوء والمادة كلاهما كيان منفرد، والازدواجية الظاهرة نشأت في محدودية لغتنا. فهل نحتاج إلى منطق وفهم جديد؟ أعتقد أن الأوان قد آن.

*** *** ***

الأوان، الأحد 11 أيلول (سبتمبر) 2011


 

horizontal rule

[1]  ماركوس تشاون، نظرية الكمية، لا يمكن أن تؤذيك، ترجمة: د يعرب الدوري، الدار العربية للعلوم، بيروت، ط1، 2008، ص 17.

[2]  عبد الفتاح مصطفى غنيمة، نحو فلسفة العلوم الطبيعية، ص 18.

[3]  سالم يفوت، الفلسفة والعلم في العصر الكلاسيكي، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط1، 1989، ص 85.

[4]  بول ديفيز، جون جريبين، أسطورة المادة، ترجمة: علي يوسف علي، الهيئة المصرية للكتاب، 1998، ص 15 – 16.

[5]  سالم يفوت، الفلسفة والعلم في العصر الكلاسيكي، مرجع سابق، ص 102.

[6]  جون جريبين، البحث عن قطة شرودنغر، ترجمة: د. فتح الله الشيخ ود. محمد عبد الله السماحي، دار كلمة، كلمات عربية، ط1، 2009، ص 55 – 56.

[7]  ديفيد لندلي، مبدأ الريبة – أينشتاين، بور، هايزنبرغ، والصراع من أجل روح العلم، ص 43.

[8]  سالم يفوت، الفلسفة والعلم في العصر الكلاسيكي، مرجع سابق، ص 192.

[9]  سالم يفوت، الفلسفة والعلم في العصر الكلاسيكي، مرجع سابق، ص 87.

[10]  جورج جونسون، بحث في نظام الكون، ترجمة: أحمد رمو، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، 2010، ص 89.

[11]  جورج جونسون، بحث في نظام الكون، مرجع سابق، ص 177.

[12]  جون جريبين، البحث عن قطة شرودنغر، مرجع سابق.

[13]  بول ديفيز، جون جريبين، أسطورة المادة، مرجع سابق، ص 83 – 84.

[14]  ليون ليدرمان، كريستوفر هيل، التناظر والكون الجميل، مرجع سابق، ص 89.

[15]  ليون ليدرمان، كريستوفر هيل، التناظر والكون الجميل، مرجع سابق، ص 287 – 288.

[16]  د عبد الفتاح مصطفى غنيمة، نحو فلسفة العلوم الطبيعية، ص 117.

[17]  ماركوس تشاون، نظرية الكمية، لا يمكن أن تؤذيك، مرجع سابق، ص 163.

[18]  جون جريبين، البحث عن قطة شرودنغر، مرجع سابق، ص 41.

[19]  ديفيد لندلي، مبدأ الريبة – أينشتاين، بور، هايزنبرغ، والصراع من أجل روح العلم، مرجع سابق، ص 30.

[20]  ليون ليدرمان، كريستوفر هيل، التناظر والكون الجميل، مرجع سابق، ص 394.

[21]  ماركوس تشاون، نظرية الكمية، لا يمكن أن تؤذيك، مرجع سابق، ص 35.

[22]  بول ديفيز، جون جريبين، أسطورة المادة، مرجع سابق، ص 180.

[23]  جورج جونسون، بحث في نظام الكون، مرجع سابق، ص 68.

[24]  جون جريبين، البحث عن قطة شرودنغر، مرجع سابق، ص 73.

[25]  د. عبد الفتاح مصطفى غنيمة، نحو فلسفة العلوم الطبيعية، ص 93.

[26]  ليون ليدرمان، كريستوفر هيل، التناظر والكون الجميل، مرجع سابق، ص 383.

[27]  ماركوس تشاون، نظرية الكمية، لا يمكن أن تؤذيك، مرجع سابق، ص 89.

[28]  ماركوس تشاون، نظرية الكمية، لا يمكن أن تؤذيك، مرجع سابق، ص 116.

[29]  جون جريبين، البحث عن قطة شرودنغر، مرجع سابق، ص 212.

[30]  جورج جونسون، بحث في نظام الكون، مرجع سابق، ص 201.

[31]  ألويم ماكاي، نشوء العصر الذري، ترجمة: مكي الحسني الجزائري، دار طلاس، دمشق، ط1، 1993، ص 25.

[32]  جون جريبين، البحث عن قطة شرودنغر، مرجع سابق، ص 136.

[33]  ليون ليدرمان، كريستوفر هيل، التناظر والكون الجميل، مرجع سابق، ص 474.

[34]  جورج جونسون، بحث في نظام الكون، مرجع سابق، ص 212.

[35]  بول ديفيز، جون جريبين، أسطورة المادة، مرجع سابق، ص 171 – 172.

[36]  جون جريبين، البحث عن قطة شرودنغر، مرجع سابق، ص 182 – 183.

[37]  ديفيد لندلي، مبدأ الريبة – أينشتاين، بور، هايزنبرغ، والصراع من أجل روح العلم، مرجع سابق، ص 160.

[38]  جون جريبين، البحث عن قطة شرودنغر، مرجع سابق، ص 50.

[39]  بول ديفيز، جون جريبين، أسطورة المادة، مرجع سابق، ص 106.

[40]  المرجع السابق، ص 130.

[41]  ليون ليدرمان، كريستوفر هيل، التناظر والكون الجميل، مرجع سابق، ص 331.

[42]  جورج جونسون، بحث في نظام الكون، مرجع سابق، ص 108.

 

 الصفحة الأولى

Front Page

 افتتاحية

                              

منقولات روحيّة

Spiritual Traditions

 أسطورة

Mythology

 قيم خالدة

Perennial Ethics

 إضاءات

Spotlights

 إبستمولوجيا

Epistemology

 طبابة بديلة

Alternative Medicine

 إيكولوجيا عميقة

Deep Ecology

علم نفس الأعماق

Depth Psychology

اللاعنف والمقاومة

Nonviolence & Resistance

 أدب

Literature

 كتب وقراءات

Books & Readings

 فنّ

Art

 مرصد

On the Lookout

The Sycamore Center

للاتصال بنا 

الهاتف: 3312257 - 11 - 963

العنوان: ص. ب.: 5866 - دمشق/ سورية

maaber@scs-net.org  :البريد الإلكتروني

  ساعد في التنضيد: لمى       الأخرس، لوسي خير بك، نبيل سلامة، هفال       يوسف وديمة عبّود