الطريق إلى الله

 

مصطفى أيت خرواش

 

ما أن نفخ الله الروح في النفس البشرية حتى بدأت مسيرة البحث عنه واكتشاف معالمه وخصائصه وطبيعة الطريق أو الطرق المؤدية إليه. لقد كان الإنسان دائم البحث وكانت محاولاته في إطار هذا القلق المعرفي الروحاني ممتدة إلى كل نواحي الحياة التي يحياها، ذلك أنه لم يستسغ أن يعيش على أعتاب فراغ روحي سينعكس على حياته الاجتماعية بشكل جليٍّ. لذلك بدأ الإنسان البدائي ما قبل التاريخ في استشعار وتحسس الطبيعة المحيطة به أملاً في فهم نواميس الكون وعناصر الوجود المادي من حوله، ثم من أجل معرفة من ينظم هذا الكون ومن يقف وراء تشكله وضبطه وتوجيهه.

لذلك كانت عمليات كشف المستور الإلهي عبر الزمن معارك وجودية، اشتغل عليها العقل البشري أيما اشتغال في مسلسل من السؤال ونقد السؤال محاولاً ضبط معالم الطريق المؤدي إلى الله. ولقد كان سؤال نبي الله ابراهيم لربه برؤية وجهه لطمأنة قلبه، كان سؤالاً وجوديًا عبَّر عنه نبي الله ابراهيم بخلفياته الحسية الواقعية لفك الرهان مع شكوكه الروحية. ولكن، ما أن ظهر المنصِّصُون والفقهاء والمحدثون والفرق السياسية حتى بدأت رسالات النصوص المقدسة الأصيلة في التلاشي أمام الحواشي التفسيرية التي ضخَّمت الموروث وجعلت الوصول إلى الله أمرًا غاية في التعقيد. من هنا قالت الصوفية إن "الرسل طولت الطريق إلى الله"، وكانت تعني شريعة الفقهاء التي حجبت على العامة من الناس السهل الممتنع في معرفة الله وجعلته فقط في متناول خاصة الناس التي تمثلها شريحة العلماء والفقهاء. ولقد كانت المقولة الشهيرة "غب عن الطريق تصل إليه" للصوفي الكبير أبي يزيد البسطامي، جامعةً مانعةً تختزل منهجًا وجوديًا صرفًا هو بالتأكيد انقلاب على الموروث الفقهي الحاجب للحق.

إن حياة الصوفي الكبير جلال الدين الرومي وهجرته الروحية نحو أعماق الفؤاد الإنسانية والمعرفة الحقانية والمحبة العرفانية الصافية، هي رحلة نحو الحقيقة الإلهية التي لم تتوارى له بمعية الفقه الحنفي الذي درسه ودرَّسه لطلابه. فاختار طريق التصوف سبيلاً للوصول إلى الله فكان تصوفه مزيجًا من الحكمة والروحانية والغوص في أعماق الإنسان حيث وجد الله في ذاته قريبًا جدًا لا يفصله عنه سوى الأخذ بالمحبة دليلاً للوصول إليه. لقد هرب بالإنسان إلى أقاصي الروح، وحلَّق به إلى أعالي القمم، وجعل منه غبارًا أمام الطبيعة، التي لا تغنِّي إلاَّ لله، فغنَّى معها، ورحل في رحلة عشق لخالق الكون. وهذا العشق ليس إلاَّ علاقة الإنسان بربِّه. وهو يعني المحبَّة الخالصة والعرفان الكامل والوجد الصوفيَّ. لقد فهم جلال الدين الرومي جوهر الديانات السماوية وكنهها الإنساني بعيدًا عن سجون رجال الدين الفقهية الثقيلة على القلب والوجدان، وهذه الحقيقة نجدها في أبياته المشهورة التي ذكر فيها:

مسلم أنا، ولكنِّي نصرانيٌّ وبرهميٌّ وزرادشتيٌّ.
توكَّلت عليك، أيُّها الحقُّ الأعلى، فلا تنأ عنِّي.
ليس لي سوى معبد واحد، أو مسجد، أو كنيسة، أو بيت أصنام.
ووجهك الكريم منه غاية نِعمتي.
فلا تنأ عنِّي، لا تنأ عنِّي.

أما شيخ الصوفية العرب "ابن عربي" فقد كانت هجرته نحو العرفان والغنوصية في أرقى وأسمى مستوياتها الروحانية. في مؤلفه الشعري البارز ترجمان الأشواق تكلم ابن عربي عن الحب باعتباره أسمى ما يمكن للعارف أن يصله عبر التجلي في ذات المحب وروحه وهنا يقول:

لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي
إذا لم يكن ديني إلى دينه دان

لقد صـار قلبي قابلاً كلَّ صورة
فمرعى لغزلان وديـر لرهبان

وبيت لأوثـان وكـعبة طائـف
وألواح تـوراة ومصحف قرآن

أدين بديـن الحب أنَّى توجَّهتْ
ركائبُه، فالحب ديـني وإيمـاني

إن الله مُتجلِّ فينا بقدر تَجلينا فيه ومُتماه معنا بقدر تماهينا معه وقابع في دواخلنا بقدر قبوعنا في داخله. وشروط معرفته ليست بكل هذا التعقيد من أدوات التعريف التي وضعها التاريخيون الأولون اللذين نصبوا أنفسهم - أو هكذا نصَّبهم أتباعهم- أقرب إلى معرفة الله وشروطه من التابعين وتابعي التابعين. لقد أُبعد الإنسان من الله كرهًا وهو المُقرب إليه بالسليقة والفطرة وأُهملت مكانته وروحه ومركزيته الوجودية لصالح أصنام مازالت تُعبد حتى بعد مرور قرون من تدمير الرسالة المحمدية لها أول الأمر. وتعددت المعابد واحتار الانسان بداخلها وكثرت الصلوات واستمرت معاناته الوجودية ولم تستطع المعابد تحريره من قيود الماضي والحاضر والمستقبل وبقي سجينًا في منفى الكتب المقدسة وهو صاحب القداسة. أما طريق المحبة الروحانية وصبر الأغوار النورانية في التعرف على الله فهي سهلة لدى المحبين والعارفين والأميين المتحررين من كهنوت الكهنوت إلى فساحة المعرفة الحقانية. فالله قريب بقوله ووجوده ونوره ومعرفته وكرمه وعدله ومحبته ووده وتعاليه وسماحته وصدقه ووعده، وهو بعيد بجهل المغتربين عنه.

*** *** ***

 

 

 

الصفحة الأولى
Front Page

 افتتاحية
Editorial

منقولات روحيّة
Spiritual Traditions

أسطورة
Mythology

قيم خالدة
Perennial Ethics

 إضاءات
Spotlights

 إبستمولوجيا
Epistemology

 طبابة بديلة
Alternative Medicine

 إيكولوجيا عميقة
Deep Ecology

علم نفس الأعماق
Depth Psychology

اللاعنف والمقاومة
Nonviolence & Resistance

 أدب
Literature

 كتب وقراءات
Books & Readings

 فنّ
Art

 مرصد
On the Lookout

The Sycamore Center

للاتصال بنا 

الهاتف: 3312257 - 11 - 963

العنوان: ص. ب.: 5866 - دمشق/ سورية

maaber@scs-net.org  :البريد الإلكتروني