حكاية جندي مجهول

 

فيصل زواوي

إلى صديقي هفال

همهمت بصوت خفيض: "ارجعوا إلى رشدكم. هم صحيح راقدون بين هذه الصخور القاحلة ولكنهم موجودون في مكان آخر. لقد قذفنا بهم هنا لكنهم سوف يتابعون وجودهم فيما وراء وجودنا ويصونون هذا البلد المحزن بأفضل مما نفعل". عين الصَّيَّاد (محمد ديب)

 

بعد كلِّ هذه السَّنوات يأتي أحدهم ليطلب منِّي القتل من جديد، كانوا قد تيقَّنوا أخيرًا كَم كان كل ذلك الأمر يعنيني؛ قتل أكبر عدد من أولئك الذين أهدروا دم أرضي ودمَّروا الحياة الإنسانيَّة في هذا البلد. لكن كيف عادوا يحثُّونني على إعادة الكرَّة رغم أن حربهم التي لم تكن حربي أفلت مع أفول العدوِّ المستعمر. ما بالهم إذن خادعوا أنفسهم عمَّا يجب أن يكون عليه النِّضال! ألم يكن أولئك السِّياسيين المقاومين بأفكار الحرِّيَّة أيضًا إخوتي كما كانوا هم إخوتي في السِّلاح؟!

ولكنني لم أندهش كثيرًا حين عاودت الالتقاء بضابط الفصيلة، الذي لو لم يحذِّرني في ذلك اليوم وينصحني بالفرار لقضي عليَّ من طرف رفاقي الذين قرَّروا سرًّا تصفيتي. أصبح اليوم قائد وحدة ولم يمنعه ذلك من محاولة إقناعي بالعودة إلى الرِّفاق وبتصفية أولئك الذين خرجوا عن الطَّاعة! وتحقَّقتُ في الحين أنها طاعة الحرب لا زالت تنادي طالبة العون ودون مناقشة رحت ألبِّي النِّداء. أعادوا إليَّ رشَّاشي الملعون الذي صادروه منِّي يومًا وكانوا وهم يراقبون نظرة عيني الباردة حينها وهي تحملق بعيدًا قد تساءلوا وهم يرتجفون ريبة بداخلهم، عن ماذا لو ترشدني نحوهم بغتة لقضيت عليهم وعلى دناءة ما كانوا يُضمرون. لا زالت رصاصاتهم الطَّائشة تردِّد في أذني أغنيتهم الفارغة ولا زالوا على ذلك يراقبونني متحرِّجين إن أصبحت حقًّا عدوَّهم اللَّدود! ولا شكَّ في أنني لن أفاجأهم وأخذلهم بعد ما التقطوني من رماد قريتي المبادة صبيًا لا أدري شيئًا وما ادَّخروا جهدًا في رعايتي وهم يرونني أتكفَّل بتدريب نفسي، بفضل ذلك الصَّيَّاد الذي يجهلون وجوده تمامًا وهو شاهد العين التي رعت كل تحرُّكاتي وتصويباتي التي لم تفلت أيًّا من تلك الفرائس اللَّعينة أبدًا، وقد شاهدوني أثناء القتال وبعده قد أوغلت مخاطرة بحياتهم المهدَّدة على الدَّوام وأصبحت أخطر من ذاك العدوِّ المتوحِّش، واستغربوا ما صار بوسعي القيام به رغم أنَّهم كانوا رجال جبل وجنودًا بواسل ومدرَّبين بحقّ.

كانت الأوامر أن ألتقي أوَّلاً بأحد المنشقِّين لأفشي له بسرِّ عودتي. استلقيت أثناءها بهدوء ومن دون حراك لأغفو برهة فوجدتني أحاول بسطوة حارقة التَّفكير في كلِّ شيء، وكدت أغرق في أرق سحيق فوق سرير حانق راح يتخبَّط مصروعًا، حتَّى قذف بجسدي بعيدًا، حينئذ انطلقت بدون تردُّد أزوره في جوف الظَّلام وقد غامرت باقتحام عقر معقله ثم وبقبضة واحدة قطعت عنه الهواء وراحت عيونه تزداد جحوظا في هوهاءة[1] من العتمة وهي ترى العالم يضيق من حولي منتهيًا. صار كل ذلك دون أدنى حشرجة وأنا أكتم آخر سكرة من أنفاسه، ومع ذلك عاد أحد رجاله ليلقي نظرة غير مرتاب فأغمدت في أحشائه سكِّيني المتأجج غيظًا، حتى أفْلَتَ منه بضع شهقات اخترقت صدى ذلك الصَّمت المخنوق، فراح المزيد منهم بوقع أقدامهم المشوَّشة يترصَّدون شبح ما خلَّفته ورائي. كنت أحاول الهرب والابتعاد قدر المستطاع عن أعينهم، لكن وأنا أكاد أختفي انفجرت فجأة قنابلي أمام أرجلهم.

مرَّت أيَّام من الانتظار حتى بلغنا أمر بتصفية بعض المتمرِّدين الذين كوَّنوا جبهة معادية لنا وتخندقوا بإحدى الجبال المجاورة. رحت أتساءل مرارًا وأنا أشقُّ طريقي نحو بيتي المهجور إن كان لديَّ فعلاً ما سأفضي به لمغسلي حينما يضعني الموت بين يديه! وتأكدَّت من ذلك بعد تفكيك تلك الألغام التي خلَّفها المستعمر قبل انسلاله. إلا أن هذه العملية لم تقدِّم لي أي شعور خارق بالنَّجاة من شبح الانتقام، لأجل أرواح أولئك الجثث المزروعة في الخواء بالأمس. واليوم هذه الأفواه - المثرثرة بالوطنيّة - الموصولة بربطات العنق الخالية من كلِّ معنى تملئني إصرارًا أكثر من ذي قبل على ادِّخار مخيَّلة عالم أفضل لأرواح جثث شريرة أخرى لا زالت في الطريق.

لا أدري كم من الوقت أمضيته في عمل ذلك فقط مع كل من حاول العبث بسطوة هذا السِّلاح، حتَّى جاء اليوم الذي كُلِّفتُ فيه على رأس مهمة اغتيال لا تعدو عن كونها مألوفة لديَّ ولكنَّها كانت جدَّ دقيقة وحذرة ومصيرية بالنسبة لكلِّ أفراد القيادة. أتذكَّر أنَّ القائد بذل جهدًا وتركيزًا كبيرين في تذكيري حول قيمة ما سأقوم به هذه المرَّة بالذَّات، وقد تحدَّث كثيرًا عن من يعتبرون أنفسهم من مناضلي كذا وكذا وأنا أراقبه من اليسار إلى اليمين إلى اليسار، ثمَّ راح يتساءل: "كيف نسلِّم الوطن لثلَّة من أفواه متبجِّحة وأياد لا تحسن إلا حمل الكتب والأقلام، كيف؟!". لقد تحدَّث مجدَّدًا عن الثورة والوطنية والمسؤولية والطَّاعة و و و... حتى نفذ منه صبري تمامًا فقاطعته بوضوح وإيجاز: "أنا لا يهمُّني ما يعتبرون أنفسهم، لا يهمُّني سوى أنهم خانوا هذا السِّلاح، وأرادوا التَّسلُّط عليه! تبًّا لهم ولأفكارهم التَّافهة! لا ثورة ولا وطنية ولا حرِّيَّة خارج هذا السِّلاح!".

مرت أسابيع وأشهر من معاودة الانتظار وتكاثرت اختلافات القيادة وتسارعت أحداث قيام حرب شاملة أخرى، حتى حانت اللَّحظة الحاسمة التي طالما انتظرتها بشوق حين سأمت أمر التأجيل وأطلقت رصاصتي بقلبه كما طُلب منِّي وأكثر، لقد قتلت الرَّئيس وكل من معه من دون مناقشة وهربت دون أن ينصحني أحد بالفرار، لأنهم قرروا مرَّة أخرى تصفيتي بدناءة في سبيل أن يحيا الوطن، لكنني كنت أثناءها بعيدًا عنهم تاركًا خلفي أشلاء وطنيَّتهم الفارغة. وقد كان عليهم اعتباري منذ ذلك الحين جنديِّهم المجهول وعدوَّهم وعدوَّ عدوِّهم التاريخيِّ في آن واحد، ولْيقيموا على شرفي نصبًا تذكاريًا لخيانة الخيانات. انفصلت عنهم كما فعلت من قبل لكن للأبد، والتحقت بظلال الجبال أتبع أثار ذكرى ذلك الصَّياد الرشَّاش الذي كان يأخذ بيدي ويعيِّن بصري في كل مكان وفي كل اتجاه وهو يناديني:

إنَّني ما صِحت بك كبدا
ما صحوت منك أبدا
فشبح إغفاءك
لا يفارقني،
وتثاؤب أرقك
يذود عنه
رُغمًا عني
رُغمًا عني
ضبط عقرب الوغى منبهه
على السَّاعة اللَّاسعة
كلُّ وجومك ـدقتي
وكل دقتك وجومي
رغمًا عنك
رغمًا عنك
لا أزال عينك
وقلبك
أرقب ترقبك
وأرهب ترهبك
أتأهَّبك
لكلِّ وجومٍ دقةُ
ولكل دقة وجومُ
يا ليتني أصيح حين تضغطني
سلامًا آخر من رصاص
مضرَّجًا بجراح أمسك
القان
لا أزال أتمايل
من على ظهرك
أتساءل
في قبضتك

إلى حين أنطُّ
على غدك:
هل سيخبو اليوم معي
كمير[2] آخر؟
أكمير سلاح أنا؟
أم كمير سلام ههنا؟
أين سترقد مجهولاً
بدوني مستوحشًا
حالمًا بعالم أفضل
على زفير الهاوية
أعدوٌّ محبوب هو أنا؟
أم صديق مقيت أنا؟
وقد أصبحت ههنا
نُصبًا عليك لأفخر ردى
يجلُّه الأصدقاء والعدى

تحققت بعد عودتي من غيبوبتي وتماثلي للحياة أنني عدت صبيًا من جديد سيواجه مصيرًا لا يختلف عن ما تعرضت له قريته من قصاص في الماضي ولا يد ستلتقطه من جديد، وأنا أرى القضاة بأزيائهم العسكرية المهذَّبة تحت بُرَد فضفاضة لا تلائمهم البتة وهم يلفظون حكمهم السافر بإرسالي إلى العالم الآخر، لأنَّني تداركت الأوامر بحزم لا رجوع فيه، حين أدركت أن لا أمل يرجى منهم، وأن حياتي ليست سوى موتًا أعمى لكل من ما زال على قيد الحياة. كان من الواجب إرسال الجميع إلى عالم المُثل الشَّاهق أين تشرد الأرواح في السُّكون والخضوع بلا نهاية. هذا الوطن وُجد ليكون متوحِّدًا بنفسه صامتًا خاويًا من ضجيج أجسادهم التي لا تصلح لأرواحهم الخسيسة وطنًا. وليعلم كلُّ أشباهي المتستِّرين بشعاراتهم التَّافهة أنَّني أصبحت لعنة بكل يدٍ تحمل رشَّاشا من سعير؛ ينادي بالانتقام من إنسان عاش ضحيَّة ظروف مليئة بالظُّلم ومات جانيًا على نفسه بالانتقام لكلِّ هذا المخاض الوحشيِّ الأليم. إنسان لم يتبقَ له من الذكريات القبيحة إلا الازدراء بإنسانيَّته المخدوعة والضَّجر من انتظار أوامر مصيريَّة لا معنى لها.

خيَّم الذُّهول أجواء الفناء المزروع ببقايا الأشلاء والأسلاك حين أفْلَتَ الموت مني أخيرًا تحت عبارة تنفيذ حكم الإعدام على جنديٍّ مجهول، وأنا في حالة من الرَّاحة والهدوء حدَّ التيبُّس والجمود، بعدها أخذت أضحك على نفسي وأتمادى في ارتفاعي مقهقهًا بدلاً من أن أسقط صريعًا أمامهم؛ فقد كنت لا أزال في رعاية نفسي وتحقَّقت من ذلك بنفسي، حين نقلوا ما يشبه جثتي إلى داخل بيتي المهجور بواسطة عدد من رجالهم ثم أغلقوا عليها الباب وذهبوا. وهكذا بالأحرى استلقيت لأنهض من جديد وأطالبهم بكل الدم المهدور، ولم تكن إلا برهة حتى أعادني شذا الصنوبر المحترق إلى وعيي وأخذت أنظر بحذر شديد هنا وهناك.

***

ملحوظة: شخصيَّة هذه القصَّة مستوحاة من شخصيَّة قصَّة "عين الصَّيَّاد" لمحمد ديب؛ بل هي تكملة متخيَّلَة لها وتكملة لمَ جرى لذلك الصَّبيِّ الجزائريِّ الذي تعرَّض أهله وجلُّ قريته للإبادة أمام عينيه من طرف جيش فرنسا المُجرم، وبعد نجاته أخذه المجاهدون واعتنوا به ودرَّبوه حتَّى أصبح ليس فقط من أشجع وأبسل الثُّوار، بل أخطرهم على الإطلاق حين تمرَّد على خطط وأخلاقيات قتالهم، وتساوت فرائس العدوِّ كلِّها بعينه، فأخذ على عاتقه مسؤوليَّة إرسالهم للعالم الآخر دون تمييز كما فعلوا بأهله وقريته يومًا. بعدما تفطَّن الثُّوار له وتمرُّده لأوامرهم قرَّروا تصفيته دون محاكمة، لكن أحدهم أفشى له بذلك فهرب في نهاية القصَّة على صوت رصاصاتهم الفارغة التي أفلتته ونجى بجلده.

تكملتي لما أنتجته ثورتنا المجيدة كرمزيَّة لما آلت إليه هذه النَّفس المظلومة الجريحة، بسبب العدوان والاعتداء الذي لحق بها في طفولتها وبراءتها من احتلال فرنسا الغاشم؛ وهذا ما يفسِّر بنظري الخلافات والاقتتال الداخلي الذي حدث بين الثُّوار قبل الاستقلال والتَّصفيات الشَّنيعة التي حصلت بعده. تعاطفي الإنساني كما يبدو لسبر أغوار هذه النَّفس المكسورة جاء لغاية انتقاد الثورة لحبِّ ذاتها وتقديس آلامها وملذَّاتها وتملُّق حملة السِّلاح لأجلها، بل أشدُّ العبث يكمن في نرجسيَّة وقدسيَّة السِّلاح على حملته وعليها كما أوحيته في نهاية القصيدة. هذا انتقاد لثورة أنتجت نظامًا واصل على انتهاج خطِّ العدوِّ الجلاَّد نفسه في اعتبار البلاد محميَّة أو ثكنة عسكريَّة. وكلُّ الثَّورات القائمة على الانتقام ستحرقها نار الانتقام يومًا لأنَّها قامت على استلام الأدوار التعذيبيَّة بالتَّجنِّي والتَّسلُّط أكثر بأنفس مشعليها بمسمَّى الوطنية المخادع للإنسانية الحقَّة ليس إلا.

من كتاب الميِّت

*** *** ***


 

horizontal rule

[1]  بئر.

[2]  الكمير كائن خرافي.

 

 

 

 

 

الصفحة الأولى
Front Page

 افتتاحية
Editorial

منقولات روحيّة
Spiritual Traditions

أسطورة
Mythology

قيم خالدة
Perennial Ethics

 إضاءات
Spotlights

 إبستمولوجيا
Epistemology

 طبابة بديلة
Alternative Medicine

 إيكولوجيا عميقة
Deep Ecology

علم نفس الأعماق
Depth Psychology

اللاعنف والمقاومة
Nonviolence & Resistance

 أدب
Literature

 كتب وقراءات
Books & Readings

 فنّ
Art

 مرصد
On the Lookout

The Sycamore Center

للاتصال بنا 

الهاتف: 3312257 - 11 - 963

العنوان: ص. ب.: 5866 - دمشق/ سورية

maaber@scs-net.org  :البريد الإلكتروني