إنْ جاورتَها ترث طهرًا وشفافية

وما لكَ أن تعرفَها وتبقى على هشاشة وجودك

 المطران جورج خضر

المطران جورج خضر

 

الشعر، لكونه مسجَّلاً، أبقى من الوجه. أنا اليوم بينكم شاهد لهذا الوجه، للشخصية البلورية التي نذكر اليوم لنحيا بها. عسير عليكَ أن تقارب ناديا تويني، في حضورها والغياب، إلا في خشوع. قلت هذا لأن ما كان يبدو من كيانها الحسِّي كان دون كينونتها الداخلية بهاءً. لأنك، إن جاوَرْتَها، ترث طهرًا وشفافية وبساطة، لأنها كانت تسعى إلى نور لا يُدنَى منه – وسعيها هذا كان يضيء – إذا ساغ الاعتراف، في هذا المقام، بأن النفس التي كانت تجوع إلى الإشراق كانت تلتمس هذه القربى. وعندي أن ناديا كانت مختارة لإلقاء الضياء عليك.

قلت الطهر، أولاً. وهذا لا يعني أن قدميها لم تكونا لتمسَّا الأرض. غير أنها لم تكن لتستمسك بالأرض، وإن جاورتْ الزائل من العيش والفكر. سيدة، إذا جالستْ الكبار؛ متواضعة، إذا تحدثتْ مع الحاشية – بحيث غدا القوم جميعًا ملوكًا عندها. ولكن ضياءها كان يمنعهم من أن يستكبروا لأن الأحسنين بيننا يجعلونك على تلك الرهافة التي تحول بينك وبين التعظُّم. فإن الطهر يذيقُك ملكوتيةً تطرب أنت لها مع الشكر، فلا تتصاعد على درجات التفه.

أما الشفافية فلكون السيدة ناديا ما كانت تخشى أحدًا في ما استظلَّت به من ورعٍ إزاء كلِّ مخلوق. وما كان عليها أن تستحيي بشيء، ولئن شاء خفرُها – إلا أن تقتحمك أو تنتهك المروءة فيك. وما كان عسيرًا أن تقرأها بعد أن تحررتْ من حوائيَّتها إلى مريمية ساطعة. أي أنها غدت على عذرية نفسٍ تلد فيك المسيح أو ما يشبه المسيح. وكلماتُها تأتي، إذ ذاك، ترجمة ضعيفة، مكسورة، لهذا السموِّ الفائض.

هذه الشفافية اسمُها الآخر البساطة التي تعني إعراضًا عن الغواية التي كثيرًا ما رافقتْ أهل الفكر؛ إذ الغواية هجومٌ، فاستعلاءٌ، لوعي الإنسان أهميته. أما إذا كان "مجد العالم يزول"، على ما يقول الكتاب، فما كانت ناديا تويني تعبُّ هذا العالم؛ إذ كان مجد الباقيات يستوعبها وتستكين إليها، على ما رافقها من حيرة أمام مشاكل الحياة.

فإذا كانت النفس إلى النفس فلستَ مرتبكًا ولا مربِكًا. وهذا يحصل لك إن كنت لا تتذاكى، وإذا كنت مبسوطًا أمام الآخر ليدرك الحقيقة من خلالك – هذا إذا كنت تتوخى من الحوار أن يبلغ الآخرُ المعرفة التي لست أنا مالكها، ولا محاورُك مالكها، ولكنها تهبط إذا انقدحتْ نفسُك ونفسُه ابتغاءَ ضياءٍ موحِّد.

وقد تضعك المعرفة على عتبة ارتفاع كبير؛ وهذا أمر يتجاوز العقل وحده. ذلك أن الثقافة وسيلة استشفاف فحسب، ولكنها ليست ذلك النور الذي يقذفه الله في القلب. وفي يقيني أن ناديا تويني لم تسقط في إغراءات العقل، ولكنها كانت تأخذه معراجًا إلى الرؤيا التي هي وحدها الوضوح الكبير.

القرَّاؤون مثلها يتروَّضون؛ والرياضة وسيلة إلى الغاية التي هي المحبة. هل كانت ناديا تويني تتمتم الله؟ هناك سير إليه وسير فيه. والإنسان المحب إلهي، مهما قال لسانُه. إنه يرى ربَّه مرتسمةً أنوارُه على الوجوه؛ فإذا التقاها يلتقيه. يلفتني أن المسيحية الأولى سمَّت نفسها طريقًا قبل أن تنظم عقائدها نظمًا أو نسقًا أو بناءً أو فكرًا موحَّدًا. ولكن من سار في الحب، ولو لم يعرف الحبك العقلي، يكون قد سلك الطريق وتراءت له غايةُ الطريق على قول المعلِّم: "أنا الطريق والحق والحياة." أليست الحياة – كل الحياة – هذا الإله المخلص الذي يجعلك إنسانًا جديدًا تصير بسببه مادةُ الكون، في اليوم الأخير، نورًا. أجل، يتمجَّد الله في الكون وفي العقل وفي كلِّ الكتب التي خلف لنا السلف؛ ولكنه يتمجد أولاً بذاته التي هي المحبة.

بعد هذا يأتي القول البشري، وقد يأتي الشعر. ولكن الإنسان المستضاء من فوق أعظم من كلِّ آداب العالم وعلومه وتقانتها. إن كنتَ حساسًا لهذا كانت ناديا تويني تعوزك من بعد تعبك من الكتب ومن شواغل دنياك. في دارها كنت أنت وايَّاها تسعيان إلى ركنٍ في السماء، إلى التماس عيسوية تُحيي.

ربما درَّبتْها آلامُها على التواضع أو زادتْها دربة. وكان هذا دربُها إلى الصمود. هناك روافد روحية كثيرة ساعدتْها على ذلك. ممَّ اقتبستْ؟ ممَّن تكوَّنتْ روحيًّا؟ التحليل هنا صعب بسبب من الحياء الكبير الذي كان يميِّزها. وأخشى أن النطق لا يساعدنا كثيرًا في استجلاء هذا. غير أنه يزيَّن لي أن ناديا تويني ما كانت تتنكَّر لرافد، ولو أنها كانت تغلِّب تأثيرًا على تأثير، لأن نفسها كانت قلقة أو لأنها لم تتخذ الإقصاء مذهبًا. فكانت تجيء من كلِّ الثقافات التي عرفتْها، بمعنى أنها استدخلتْها، وما كانت عندها محض خيار عقلي. هي كانت أقرب إلى الوجدانية منها إلى العقلانية، ولو اتخذ العقلُ الفرنسي عندها حيِّزًا كبيرًا. بقيت لبنانية من الشوف ومن حي مار نقولا في الأشرفية بآن، يتشرَّق قلبُها دائمًا، يتغرَّب عقلُها أبدًا. وما كانت، على ما بدا لي، في ذلك مأزومة؛ وفي هذا كانت قريبة من إمبراطورية الروم التي كانت تغريها، من حيث إن القسطنطينية تمتد معًا إلى البرِّ الأوروبي وإلى الضفة الآسيوية من البوسفور. "أميرة بيزنطية كنتِ؟" كثيرًا ما كانت توحي إليَّ بذلك.

هذا يذكِّرني بمدينة سيرجيوبوليس، وهي الرصافة التي بناها الحارث الغساني وقرأتُ اسمَه على أحد أعمدتها بالحرف الرومي. أمير عربي يتنطَّح إلى أجمل ما عرفناه في الفن السوري البيزنطي. حمَّل العربة التي كانت في نفسه كلَّ طاقات الجمال في دنيا القرن الخامس الميلادي. بعقلين والمتن، محكيين باللسان الفرنسي على أرهف ذوق عالمي، عاشا في نفس ناديا حماده تويني في ما يجمع الأضداد إلى واحد.

كل هذا كان يحملُه هذا الجسم المضنى والراجي بآن. هل كان عدم شكواه مصدره الصبر، أم مصدره الكبر، أم الاثنان معًا؟ غريبة عن دنياكم كانت هذه الشجاعة. أن يلتحم الكبر والتواضع... كان هذا سرًّا من أسرار هذه المرأة العظيمة التي كانت تحتوي في ذاتها الحياة الكبرى.

الألم ليس، بحدِّ نفسه، مرقاة إلى الله. ولكن تقدر أن تجعله – بالإيمان – كذلك. المؤمن وحده يقدر أن يتجاوز أوجاعه إلى الرؤيا. والرؤيا اسم من أسمائها السلام. أجل "كل نفس ذائقة الموت"؛ ولكنها قادرة أيضًا، بنعمة ربِّها، أن تذوق السكينة. رقدت ناديا في سكينة ربِّها. وهذا ما رأيتُه عندها في أيامها الأخيرة، وكأنها لملمت في الصفاء ما عاشته وما كتبت. انتقلت إلى المدينة العلوية التي يغطيها "مجد الله ولألاؤها أشبه بلألاء أكرم الحجارة، كأنها حجر يشب بِلَوري".

ما كان لكَ أن تعرف ناديا تويني وتبقى على هشاشة وجودك. هل يظل الإنسان على ما كان عليه إذا وُضِعَ أمام البلور؟ كانت ناديا تويني وجودًا كبيرًا جدًّا من شأنه أن يجعلك من العارفين. كانت تمسحك بنقاوة ليست من هذا العالم، وتذهب أنت بعد الرحض إلى حيث يشاء الروح.

*** *** ***

عن النهار، الأحد 25 آب 2002

 الصفحة الأولى

Front Page

 افتتاحية

Editorial

منقولات روحيّة

Spiritual Traditions

 أسطورة

Mythology

 قيم خالدة

Perennial Ethics

 ٍإضاءات

Spotlights

 إبستمولوجيا

Epistemology

 طبابة بديلة

Alternative Medicine

 إيكولوجيا عميقة

Deep Ecology

علم نفس الأعماق

Depth Psychology

اللاعنف والمقاومة

Nonviolence & Resistance

 أدب

Literature

 كتب وقراءات

Books & Readings

 فنّ

Art

 مرصد

On the Lookout

The Sycamore Center

للاتصال بنا 

الهاتف: 3312257 - 11 - 963

العنوان: ص. ب.: 5866 - دمشق/ سورية

maaber@scs-net.org  :البريد الإلكتروني

  ساعد في التنضيد: لمى الأخرس، لوسي خير بك، نبيل سلامة، هفال يوسف وديمة عبّود