شجرة بلا أنبياء

 

راما وهبة

 

نموت
بلا حروب أيضًا
حين يشعل الشعراء لفافة الاستمناء
وتصبح المرأة
عانة

.

امرأة هندوسية
تصلي كل يوم أمام فيل ضاحك بأربعة أذرع
تسألني:
كيف يقتل إنسان باسم الدين؟

.

صعدت معها درجات المعبد
كانت حنة قدميها
بكاء قيثارة
راما كريشنا
هل حدثتك الوردة عن الله؟

.

بلا رأس
يرتفع الجسد

.

الموسيقى
جنس الروح

.

شامة
أم مفترق شهوات؟

.

قميصك الكحلي
ياقته مفتوحة
بلا أعذار

.

الجنون في أوله
دائمًا

.

أبتعد
مثل أوراق الحور
ألوح بوجوه كثيرة
حزينة وتضحك

.

إيلا فيتزجيرالد
تغني
summer time
بالطريقة نفسها التي تتعرى فيها امرأة

.

جولييت غريكو
تراقص النجوم بأصابعها
كعاشقين يتعانقان في دوارة ريح
ويجعلان السماء أكثر خفة

.

بيلي هوليداي
تفك السحر الأسود
في محارة الجنس والعبودية

.

باربرا سترايسند
وحدها تعرف أي وجه لمريم
ومتى تعود الأنهار القمرية

.

لويس أرمسترونغ
طفل ربيعي يرتفع بطائرته الورقية
ويضحك بين الكواكب

 

***

لا أحد
يرتفع عن قامة الدم
ليغسل رمد التاريخ
من شبق التكرار

.

لا أحد
يخرج من رأس البيضة
ليرى السماء في حبة رمل
والأرض
احتمال

.

لا أحد
يعلم لغات المجرى
ولا الكلام الذي بقي معلقًا
على شجر المذبحة

.

لا أحد
يخبر النساء
عن المرأة
ولا الطفل عن الآتي
ولا الله
عن الإنسان

.

لا أحد
يقرأ مدينة على كاحل امرأة
يقلب الموج في عينيها البعيدتين
ويتسع لرحيل النوارس
وكنائس البحر

.

لا أحد
يكسر الفراغ بنافذة
يغير الأشكال إلى رنين أبيض
والمسافات إلى جسدين بلا أبعاد
والمعنى
إلى رائحة الولادة

 

***

يكتبون الشعر
لأقرأ
انحناءات الصنوبر على حافة
بكاء السطوح في رمادها الشتوي
جبالاً تعاشر أنقاض الجهات
أول ارتعاشات البحيرة
ارتفاع الجسور إلى مسافات الصمت
يأس مراكب بأسماء من رحلوا
اخضرار حصوات البحر
عطش الأجنحة لنداء آخر
صُدفة الفراشات بيننا

.

يكتبون الشعر
وأمضي إلى أرصفة النهار
حيث اللغة بلا أقفاص
والوجوه بلا غاية

.

يكتبون الشعر
وأتفتح فيك
مغسولة بالوحي
والأجراس
وذكورة السنديان

.

يكتبون الشعر
لأطابق البديهة بحليب العصيان
لأناقض المرايا
لأهجس بفراغ النضوج
ولا أكتفي بخميرة التأويل

.

يكتبون الشعر
لأجهر بالعصافير على حدود الريح
لأفتح قميصًا للغياب
لأعمد الملائكة برائحة الجنس
وعينيك بغبش القطاف
لأوازن خريف الأبعاد
بين صوتك وانشقاق اللوز
وأدير قرنيك
لامرأة

 

***

الهواء
يزيح الستارة
بالحذر اللازم لمداعبة امرأة
تنام على سرير عائد من المجازر
بقلب مداس كحبة توت
تفكر بخفة الغبار على شرائط النهار
ببقايا الكحل فوق جفنيها المتعبين
بطعم السجائر والقهوة ووحشة الارتياب على فمك
ببطنها الرخو قليلاً ولمس أصابعك حتى آخر فقرة من صيفها الطويل
وبأكورديون أستور بيازولا في ساحات مدينة تتسع
إنها الحدود نفسها التي تغيب مع العصافير
لتشتهي في يديك الخراب
وتسبقها حلمتاها بنشوة مبهمة

 

***

الشعر
لا يقول لك كيف ستكون رائحة امرأة
وهي ترضع طفلها للمرة الأولى
وكأن الزمن بلا انتهاء

.

الشعر
لا يعرف كيف يغيب فم الحبيبة وراء قلبها
وهي ترتفع بضعة سنتيمترات عن العالم
لتسقط كملاك في قبلة

.

الشعر
لا يحيض مع الفتيات ويختبئ في الورد
لا يصاب برصاصة في الحلم
لا يبكي على جدار مدرسة لأنه لا يحب الأقفاص
لا يشم رائحة الرغيف في الصلاة
لا يعرف أن العري في اللغة
هو ما يكسر الماء بالماء

.

الشعر
غريب مثلك
كلما عاد من حانوت القمر
يقول لي:
لا سماء تسبق وجهك
لا مفاتيح للغابة

 

***

تشغلني عن الحرب
التفاتة طفل يحصي بعينيه النهار
يبحث في جيوبه عن مغامرة السكر
ويتسع قلبه حتى الدهشة الأخيرة

.

يشغلني
صوت المفاتيح
التي فقدت أبوابها البعيدة
الرجل الذي نسي رأسه
بين حطام الضفائر
والحناجر الرمادية
التي بقيت معلقة على جدار السماء

.

تشغلني
بلاهة السلالم
وكل الانتظار الذي حملته للخريف
حسرة القضبان
وراء قمر واحد
أشجار لا يفصل بينها
إلا أجساد العائدين من الريح

.

يشغلني
حليب الانبهار الذي تجمعه بأصابعك
الحقول السائلة بين يديك وعقدة خاصرتي
أوهامي التي تكبر
حتى فمك الأول

.

تشغلني
الجسور التي لم تأت
الأرصفة التي لم يبللها المطر
الوجوه التي تستجير بلا أنبياء
المرأة التي أحبت
لكي ينبت لها قلب عصفور
فلا تموت
بلا أجنحة

 

***

أشياء صغيرة
كدراجة هوائية تمهلنا قطاف الريح
خلف انتفاضة الأسوار
بانفتاحات جسد أول
وقلب مغبر بالضفائر العاتبة

كالبخار الذي يتصاعد من يديك الفارغتين
لأن الحب كالموسيقى
كل ما يؤلم الأوتار
ويكثف العزلة

كعنقود استواء
يلوي على خاصرتك
إيماء السقوط  المتكرر
وحامض نشوة  تخمر موتها

كعبارة:
"لا تلتفت"
وكل الأمام أحجيات نهرية
بين معدن الوردة وانحسار المصير

كصدع في جدار يوسوس في خلاياك
بأن العتمة إمكان أيضًا
وانكسار الوقت في نكهة امرأة

كبيت لا نسكنه
ويومئ لنا
بنوافذ تتمتم النعاس حتى صدفة العصافير
وصبح يتنهد على توبة الحبق

أشياء صغيرة
كرقص هزيل في اليباس
وكتف في العراء تحرس شمعة
كعاشق يعصر البقاء "أساور لوز"
ويحمل الظل الخافت لشتاء الأراجيح

إنها مجرد أشياء صغيرة
تجعل العالم يقف على رئة واحدة
لأن حبنا شجرة
بلا أنبياء

 

***

أمشي
لا شيء يعنيني
إلا وقوع حبات التين على الأرصفة
الأطفال على إشارات المرور
مثلي
ملوثون بحب لا يعود
السماء افتراق عصافير
والأرض بلا بقية
أشير إليك
كمن يدين للتماثيل بأجنحة
للموسيقى بالمطر
للسجناء بالحياة
وللأطفال في كل مكان
بعالم آخر
ربما الشتاء يومًا
سيجعلك تعرف رغبة امرأة
في الاتكاء على كتف غريبة
يمضي الوقت
ما هم؟
حين أصبح النعاس على سطوح القرميد
كن قمرًا وحيدًا
حين أعرى من الظل
كن فمي بلا حذر
الغابة جوع إلى الغابة
يا حبيبي
ما الذي يجعل هذا الليل لا يغتفر؟
أقصى ما تكونه
مسافة بين جدارين
لا شيء يُذكر
الحب في شفافية الموت
أسقط ورقة
تسقط ورقتان
إنها الأغنية نفسها
عن خريف بلا وجوه للعشاق
وطريق
أمشي فيها
حيث لا شيء يعنيني
إلا وقوع حبات التين على الأرصفة
وأطفال ملوثون مثلي
بحب لا يعود

 

***

زجاج نافذة واحدة
يعزلني عن فتيات صغيرات
يؤلفن خطوات الباليه الأولى
ويبتعدن كشموس خريفية على إيقاع "كسارة البندق"
تبدو الساحات أكثر اتساعًا عندما تتساقط الأوراق
والسلالم بأحزان متساوية
لا تنتظر أحدًا
ثمة رجال يتوجهون إلى آلاتهم اليومية بعيون فارغة
وباعة يئسوا من الحرب أيضًا وصادقوا الذباب
لا أذكر أنني رأيت امرأة أخرى
تتأمل أصابعها على حوض الغسيل
وتعلم بأنها كسماء رمادية
عاجزة عن النسيان
وكأنك تهمس لي:
"في كل أرض
من يقامر بوجه الله
يعجز عن سلام الضفائر"
ولكن أصابعك لم تكن هشة بما يكفي لتؤمن بوردة
فتيات الباليه يشكلن حلقة للختام
يرتفعن قليلًا على رؤوس الأصابع
وينحنين لاختصار العالم
أكثر ما أخشاه أن  تصبح ابنتي
مثلي

أن تحب الموسيقى كحياة بكاملها
ولا تتمكن من الرقص إلا بأقدام الآخرين

 

***

عليك أن تحيا
لتروي خبزك على الموتى
ليضحك الربيع بخفة من وراء الجدران
لتصبح المغفرة زغبًا أول على أثداء الملائكة
لتنهض من السقوف المستحيلة كونًا ممكنًا
ليسقط نرد رغبتك في سرة بحرية
وتكون النجمة التائهة في حوض امرأة

 

***

لماذا تسقط هذه القصيدة من جبيني
كلما تحرك غصن في العراء
وتأوهت امرأة
ككسرة خبز لا تستعاد
وشتاء لم يكن طريقًا لأحد؟
جسدان يقتربان تسبقهما المسامير
يدان تنفصلان كهبوب قمر الخرائب
وجه كالتفاتة المصير في ذروة العسل
صنوبر في الطفولة الأقصى من جرحك
نحن عناق ما لا يكون
تبعت عينيك حتى الزبد
وانقسام النداء إلى حصوات الفجر
حتى التهويم في أبخرة الشوارع
ونحول النوافذ في خطيئة الوقت
بعثرت أساور الماء وفغرت المتاهة
كخريف أحمر يغير رتابة الصلبان
ومطر يتهيأ لنزيفنا الحجري
أي سؤال يساوي الموت بالجسد كموسيقى المحيط؟
أي سجن محكوم بنقائضه مثل هذه الروح؟
كم نجمة أضاعت وجهها بيننا لكي يكون الليل كاملاً؟
ستقول لي:
الزهرة التي لا تجيء حلم آخر
كما الشعر فقد يتعدد
وتنام على فخذي كإله يضحك.

*** *** ***

 

 

 

الصفحة الأولى
Front Page

 افتتاحية
Editorial

منقولات روحيّة
Spiritual Traditions

أسطورة
Mythology

قيم خالدة
Perennial Ethics

 إضاءات
Spotlights

 إبستمولوجيا
Epistemology

 طبابة بديلة
Alternative Medicine

 إيكولوجيا عميقة
Deep Ecology

علم نفس الأعماق
Depth Psychology

اللاعنف والمقاومة
Nonviolence & Resistance

 أدب
Literature

 كتب وقراءات
Books & Readings

 فنّ
Art

 مرصد
On the Lookout

The Sycamore Center

للاتصال بنا 

الهاتف: 3312257 - 11 - 963

العنوان: ص. ب.: 5866 - دمشق/ سورية

maaber@scs-net.org  :البريد الإلكتروني