مصادفة المستحيل

راما وهبة

 

كنَّا نتحدَّث عن الشِّعر
كما نتحدَّث عن جميع الأشياء العاديَّة
حين تشغلنا فكرة حاضرة عن الالتفات إلى الزَّمن
أو حين تكسرنا نجمة بوهم الحضور
هكذا يتبدَّد اللاشيء أمامنا
تاركًا أبخرته البيضاء
على وجوهنا
.
لم يكن في نيَّتي
وأنا أمشي في طرقات مدينة مهدَّمة
أن أحمل من التَّاريخ شيئًا
عن الحروب واللَّامبالاة
لكنَّني لم أستطع أن أمحو السُّؤال
عن المجهول والبدايات والأقدام العارية
حين يُضاءُ الحجر
.
ربَّما بالإمكان
أن نقولَ شيئًا لطيفًا
مثل ضفيرتين تتأرجحان رغم الدِّماء على أرصفة
أو كلمة عن الدِّفء في تحيَّة الغرباء
هكذا قرَّرنا أن نرمي الأبديَّة على طريقٍ
لا يجمعنا فيه أحد
.
كنَّا نتحدَّث عن الشِّعر
كما نتحدَّث عن جميع الأشياء العاديَّة
كما نزرع أغصان الورد في أحواض الشِّتاء
كما نمزج الرَّغبة برائحة أبخرة أولى
كما ننجو بالمستحيل إلى يدين
كما نتأمَّل وجوه من رحلوا لأنَّ الطَّريق أكثر ممَّا نحتمل
كما ننسى الخطيئة والسِّكين في اللَّحم
كما نقول للشَّمس: إلى أين؟
كنَّا نتحدَّث عن الشِّعر
وكأنَّ شيئًا لم يحدث
وكأنَّ شيئاً لن يحدث أبدًا.

12 تشرين الثاني 2020

***

يبدو لي أيضًا
أنَّ الشِّتاء مناسب لهذا البؤس الذي ندعوه للكتابة
نحن في هذه اللَّحظة
متناقضان
مثل يدين
الأولى قبضت على الفراغ الذي يعرِّي الأجنحة من احتمالاتها
والثَّانية تقتلها التَّجربة
نؤلِّف تواريخ ميلاد جديدة
للعزلة والموسيقا والعناق
نحن في هذه اللَّحظة
مثل جميع الأشياء اللانهائيَّة
نحمل الأسئلة التي تكدَّست على جبين الله
ونبادلها الغمام
نحن في هذه اللَّحظة
بدائيان
مثل الماء
عاريان
مثل الماء
لا نكترث للزَّمن
مثل الماء
عطش للعطش
مثل الماء
.
نعم
الحياة قصيرةٌ كما ترى
ولا شيء يتغيَّر
الغريب أنَّك حين تركتني
قلت لي: اسألي عن شيئين فقط
عن العدالة والحريَّة
ثم أدرت ظهرك للعالم الذي كان بيننا
قرأتُ بعدها في مذكِّرات سركون
عبارة عن بأول تسيلان:
"إنَّ حديثنا عن العدالة يظلُّ خاويًا
إلى أن ترتطم أضخم سفينةٍ حربيَّةٍ
بجبهة رجلٍ يغرق"
لا أعلم لم ضحكت
ثم بكيت
ثم انشغلت بأشياء أخرى.

15 تشرين الثاني 2020

***

مع بداية هذا الفصل البارد
أتحسَّس الذَّاكرة بأطراف أصابعي
هنا على الهوامش البيضاء
وكأنَّها شيء قابل للزَّوال
في أيَّة لحظة
.
حين أكتب شيئًا حزينًا
عن طرقاتٍ فارغةٍ
وميلادٍ بلا أجراس
يحدث في داخلي شيءٌ حميمٌ
أرفضه بثقة
ثمَّ أفكِّر لو أنَّني بعثت لك ببطاقةٍ صغيرةٍ
مثل تلك البطاقات الميلاديَّة
التي كان الناس يتبادلونها في فترة الأعياد
ماذا كنتُ لأقول حينها؟
ربَّما كنت سأكتب عن جميع الأشياء التي تركتها وراءك
عن السُّقوف المفقودة في بيوت مدينتي
عن إغلاق المساجد والكنائس والحانات والحدائق والسَّماء
عن رغيفٍ يابسٍ في العراء
عن الحياة العنيدة
عن الفقراء الذين يحتاجون للأغنياء
عن الأغنياء الذين لا يحتاجون لأحد
عن أصغر نجمةٍ قطبيَّةٍ في عيني (إيلَّا)
عن أصابعي الهشَّة
عن كلِّ شجرةٍ في الشِّتاء
عن الوقت حين تمطر
عن جنون نينا سيمون
وهي تبتهل
take me to the water
ثم تؤدي رقصتها الزِّنجيَّة
عن ثمرة اليقطين الكبيرة
التي اشتريتها لأنَّها تذكِّرني بلون معطفك الشَّتوي
عن سعادتي بإغلاق دور السِّينما
لأنَّنا لم نتمكن يومًا من الذَّهاب معًا
عن المرَّات الكثيرة التي فشلتُ فيها في صنع كعكك الميلاديِّ السَّخيف
عن كؤوس النَّبيذ الرَّقيقة التي كنت أتأمَّلها في واجهة المحلَّات
وأفكِّر في الكأس التي كنتَ ستختارها
ربَّما كنتُ سأكتبُ لك حقًا
كنتُ سأكتبُ شيئًا شاعريًّا بصدق
مثل تلك البطاقات الميلاديّة التي لم يعد يتبادلها أحد
كنت سأكتبُ شيئًا يترك أثر الثَّلج في الذَّاكرة
لكن كما ترى
الطُّرقات فارغة
وهذا العام
الميلادُ بلا أجراس.

3 كانون الأول 2020

***

لا أفعل شيئًا
أرفع رأسي قليلاً فحسب
لأخذ نفسٍ عميقٍ
بعد يومٍ طويلٍ من الرَّكض وراء الأشياء
لا أرى سوى السَّماء
هذه السَّماء الثَّابتة بلونها الشَّتويِّ الشَّاحب
ثم يخطر لي:
"السَّماء خطوة قاسية
تجعلني
أفتقدك"
.
خطوةٌ
لا أعرفها
خطوةٌ
قد تعرفني
خطوةٌ
وراء كلِّ الأنهار
خطوةٌ
من الرَّبيع إلى الرَّبيع
خطوةٌ
تفسِّر الهواء
خطوةٌ
قبل الحجر وبعد الرِّيح
خطوةٌ
لتثلج على الموسيقا
خطوةٌ
لأنَّ اللَّمس جسدان
خطوةٌ
بين الشَّمس والسُّؤال
خطوةٌ
للوقت حين لا يجد صوتًا
خطوةٌ
كالوضوح في الموت
خطوةٌ
لم يعثر عليها الكلام
خطوةٌ
كلُّ هذا الفراغ حولك
.
ربَّما بإمكاني الآن
أن أتَّفق معك
في أنَّ هذا الاسترخاء الهائل في الشُّعور
لن يكون إلَّا بعد أن نمنح أنفسنا تجربة الارتماء في مطلق الأشياء
هناك حيث الوقت في انحناءات الدَّهشة
هنا حيث الصَّوت مغمضٌ على يدين
مثلك أتأمَّل هذه الدَّوائر الصَّغيرة على أطرافهما
أفكِّر في تلك الأشكال اللانهائيَّة التي ترسمها في الهواء
وكيف بإمكان اللُّغة أن تكون بتلك الخفَّة
أفكِّر في البرودة الخفيفة لمعانٍ نفتقدها
وفي المعاني الكثيرة لشعور لا يفسَّر
ربما بإمكاني أن أتَّفق معك الآن
وأرفع رأسي قليلاً فحسب
هنا حيث لا أرى سوى السَّماء
هذه السَّماء الثَّابتة بلونها الشَّتويِّ الشَّاحب.

15 كانون الأول 2020

***

لا أعلم كم مرَّة
فتحت فيها هذا الباب ثم أغلقته
شاردة مع الذَّاكرة والرِّيح
وزهرة عبَّاد شمس واحدة
بإمكانها أن تنحني
كجسدين
.
يبدو أن بيل إيفانز
لم يتوقف عن عزف فالسه الأخير
منذ العام 1980
وهو يسأل
عن معنى القبلة
.
أحيانًا
أسمعك تتحدَّث إليَّ بأشياء مبهمة
مثل أن تقول:
"على الرّغم من أنَّنا ولدنا قرب الأنهار
إلا أنَّ أسماءنا لم تتغيَّر"
.
نعم
أحبُّ ملمسَ الحجارةِ المصقولةِ
تلك التي يجعلها الماءُ
تتذكَّر
تلك التي ترسمُ عزلتها
في دوائر
.
كنت أفكِّر في الرَّسائل الكثيرة
التي تجمعها من صمت الأشياء
ثم استمعت إلى بوب ديلن وهو يغنِّي
"اليوم.. غدًا.. والبارحة أيضًا
تموتُ وردةٌ
مثل أيِّ شيءٍ آخر."

24 كانون الأول 2020

***

في اللَّحظات الأولى من الصَّباح
بإمكان الوعي أن يتَّسع إلى عالم مكتمل
من تفاصيل الأشياء النَّاقصة
مثلما يلون الفجر إحدى ساقيك
بالسُّؤال عن هبوطك الأوَّل في الرَّوائح
مثلما تتذكَّر
أنَّ للرِّيح يدًا

في جيوب ذاكرتك العمياء
مثلما تكون واثقًا
أنَّ الطَّائر الذي حلَّق منذ قليل
قد لامس عزلتك
للحظة
.
لم يعد عندي الكثير
سأكتفي بالحديقة
بالكتابات البيضاء على جدار الوقت
باللَّحظة الهاربة من مصادفة المستحيل
بالأبراج التي يبدو الثَّلج حولها
كمحاولة أخيرة للبقاء بلا كلمات
بالعزف الأوبراليِّ للأشجار التي تلبس الموسيقا
لتحرس العالم
بالضَّوء الذي أسقط فيه كلَّ مرَّة
لأسافر في عزلة المعنى
الذي لا قلب له.

28 كانون الأول 2020

***

هذا يوم متعب أيضًا
أقضيه في تقليم أشجار الشِّتاء
يغطي الرَّذاذ البارد وجهي
وتعلق بأطرافي تلك العفونة النَّاتئة لرائحة الأوراق
كلُّ شيءٍ ذابل هنا
ما عدا كلمة أُّود أن أقولها لك
لتخرج الحقيقة من بين يديك
مثل يومٍ ربيعيٍّ هادئ
.
أشعر أنَّك بجانبي الآن
نتَّفق أنَّ الحدائق في الشِّتاء أكثر جمالاً
نتعلَّم لغة الأفكار المهموسة
على الحجارة الخضراء
نتحدَّث
وكأنَّنا نلمس جرحًا على شفة تزول
ثم تقرِّبنا رطوبة الزَّوايا المعتمة
من لعبة كنا اخترعناها
في اشتباك الأصابع
لنتأمَّل ذلك النِّصف العاري من الموسيقا
عن ذاكرة يتبادلها لصَّدُّ والكتمان
وامرأة فقدت يقينها بالأجنحة
.
تتساقط بعض الأوراق
تبدو لي وكأنَّها ترفض الزَّوال مثل اسم بلا خطيئة
وتبدو لك مثل أفكار باول تسيلان عن البقاء
أخبرك أنَّني لم أزر مدنًا كثيرة
على الرّغم من أنَّني عشت في ذاكرة أبي عن أشجار الساكورا
أكثر من أيِّ لون آخر
تضحك
ثم تذكِّرني بتلك الكلمة
التي كنت سأقولها
لتخرج الحقيقة من بين يديَّ
مثل يوم ربيعيٍّ هادئ.

3 كانون الثاني 2021

*** *** ***

 

 

 

 الصفحة الأولى

Front Page

 افتتاحية

                              

منقولات روحيّة

Spiritual Traditions

 أسطورة

Mythology

 قيم خالدة

Perennial Ethics

 إضاءات

Spotlights

 إبستمولوجيا

Epistemology

 طبابة بديلة

Alternative Medicine

 إيكولوجيا عميقة

Deep Ecology

علم نفس الأعماق

Depth Psychology

اللاعنف والمقاومة

Nonviolence & Resistance

 أدب

Literature

 كتب وقراءات

Books & Readings

 فنّ

Art

 مرصد

On the Lookout

The Sycamore Center

للاتصال بنا 

الهاتف: 3312257 - 11 - 963

العنوان: ص. ب.: 5866 - دمشق/ سورية

info@maaber.50megs.com  :البريد الإلكتروني

  ساعد في التنضيد: لمى       الأخرس، لوسي خير بك، نبيل سلامة، هفال       يوسف وديمة عبّود