هل يحمل كل فعل ثلاثي نقيضه في ذاته؟

 

محمد علي عبد الجليل

 

في مقال للصَّـحفي السوري الأستاذ نِـزار نَـيُّـوف (المولود عام 1962 م) نشرَه على فيسبوك بتاريخ 23/2/2020 بعنوان: «العربية في عيدها: ديالكتيك اللغة العربية "الإعجازي" في فعلها الثلاثي الذي لا نظير له في اللغات الأخرى»، طرحَ فرضيةً أو بالأحرى ذَكَّـرَ بِفرضيةٍ تقول إنَّ كلَّ فعل ثلاثي عربي يمكن اشتقاقُ نقيضِه من حروفه بتغيير ترتيب هذه الحروف.

يبدو أنَّ مِن الصحيح امتلاكَ الجذرِ اللغوي العربي خصوصيةً تختلف عن الأفعال في اللغات الأوربية. فالجذور اللغوية العربية، على ما يبدو، جذورٌ "إبدالية" permutatif و"تركيبية" affixatif، بينما الجذور الأوربية تركيبية affixatif فقط. «إبدالية» بمعنى أنه يمكننا استخراجُ تراكيبَ [تقاليبَ] ثُـلاثيةٍ بتغيير ترتيبِ الحروف. و«تركيبية» بمعنى أنه يمكننا إضافةُ زوائدَ [أحرف الزيادة] على الجذور في أول الجذر أو وسطه أو آخره. ولكن هل يمكن فعلاً اشتقاق الفعل ونقيضه بتغير ترتيب الحروف؟

أعطى السيِّد نيوف، لتوضيح فرضيته، بعضَ الأمثلة (حوالي 15 فعلاً). فمثلاً، الفعل الثلاثي «ن.هـ.ر» الذي يفيد الانطلاق والحركة من الداخل إلى الخارج يمكن أن نشتقَّ من أحرفه الفعل الـمُضادَّ له وهو «ر.هـ.ن» الذي يفيد الحبس والحركة من الخارج إلى الداخل. بمعنى أنَّ الفِعلَين «نَهَرَ» و«رَهَنَ» مؤلَّفان من الأحرف نفسِها ولكنهما متعاكسان دلاليًا وفيزيائيًا. واستنتجَ من خلال هذه الأمثلة فرضيةً سحبَها على كل جذور الأفعال العربية الثلاثية.

هناك ظاهرة لغوية قريبة هي الأضداد في الألفاظ antonymes وهي أن الكلمة الواحِدة تدلُّ على مَـعـنـيـيـنِ مُـتناقضَينِ (الشيء ونقيضه). فمثلاً، «السَّـدَفُ» [أو «الشَّـدَفُ»] مِن الأضداد، وتعني: الضَّوء والظُّلمة. و«الـجَون»: الأبيض والأَسْـوَدُ. و«أَسَــرَّ» تعني: كَـتَمَ وأَظْـهَـرَ. و«الـمَسجور»: الـمملوء والفارِغ. و«قَسَطَ»: عَدَلَ وظَلَمَ. و«الـمَفازة»: الـمَنجاةُ والـمَهلَكة. وقد صُـنِّـفَت في الأضداد تصانيفُ مِـثْـلُ: الأضداد للأَصمعيّ (740-831 م)؛ والأضداد لابن الانباريّ (855-940 م)؛ والأضداد في كلام العرب لأبي الطَّـيِّـب عبد الواحد بن علي اللغوي الحلبي (الـمُتَوَفَّى سَنَةَ 351 هـ).

ولكنَّ التَّـضادَّ في كلمة واحدة ناشئٌ غالبًا عن استخدام الكلمة الواحدة بـمَعنَيَينِ مُـتعاكِسَينِ في لهجتَينِ [لغتين] مُختلفَتَينِ. فــ«السَّـامِـد» في كلام أهل اليمن هو «اللاهي» وفي كلام طَـيِّءٍ «الـحزين» (الأضداد، الأنباري). و«وَراءَ» [سورة الكهف، 79] تعني: «أَمامَ» بالنبطية. و«شَـرَوا» تَـعني: «باعوا» في لغة هذيل. و«وَثَبَ» [نَهَضَ] تَعني: «قَعَدَ» في لغة حِـمْـــيَـرَ. (الإتقان في علوم القُرآن، النوع 37 ["فيما وقع فيه بغير لغة الحجاز"] والنوع 38 ["فيما وقعَ فيه بغير لغة العرب"]، جلال الدين السيوطي).

وقد نَرى هذا التَّضادَّ في اللهجات الحديثة. فالفِعل «بَـلَّـشْ» يعني: «بَدَأَ» في لهجة بلاد الشام و«تَرَكَ» في السودان. وكلمة «مهضوم» تعني: «لطيف» في سوريَّةَ ولُبنانَ [رُبَّما هي تصحيف لكلمة «الـهَضيم»: اللطيف اللَّـيِّـن] ولكنها تعني في العراق: «حزين ومتكدِّر الـمِزاج» [رُبَّما من «مَهضوم الـحَقّ»، أيْ مظلوم]؛ وقد ذُكِرَت كلمة «مهضوم» بمعنى «حَزين» في قول الثُّماليّ: «فأَصبَحتُ مَهضومًا حَزينًا لِـفَـقْدِهِ * وهلْ مِن نَكيرٍ بَعدَ حَولَـينِ تَلْتَمِسْ» (الأغاني، ج 10). و«الـحَـلَوِيَّـات»: السُّـكَّرِيَّـاتُ (في الشام) والطعامُ الـمَصنوع من كِرشِ وأَمعاءِ الذبيحة (في مصر).

أمَّـا استخراج المعنى ونقيضِه من الجذر الثُّلاثيّ بإبدال حروفِه فهو افتراض قد يصلح على بعض الجذور عَرَضًا [مصادفةً].

يمكن طرح الملاحظات التالية على هذه الفرضية:

تفسير التركيب الثاني المستخرَج من جذر ثلاثي (بتغيير ترتيب حروفه) على أنه نقيض هذا الجذر هو تأويل أكثر منه تفسير دلالي معجمي. فعندما نقول إن «سَبَح» نقيضُ «سَحَبَ»، و«نَهَرَ» نقيضُ «رَهَنَ»، و«سَرَحَ» نقيضُ «حَرَسَ»، و«مَلَكَ» عكسُ «لَكَمَ»، وحتَّى ولو بمعنى فيزيائي بحت، فإننا بذلك نلوي عُـنُـقَ معنى الجذر.

تبدو هذه الفرضية أقرب إلى الرأي الشخصي منها إلى الفرضية العلمية، بمعنى أنها لم تستند إلى بحوث لسانية قبلها وأنها ليست استمراريةً لما وضعه أهلُ العربية من علماء اللغة. وقد تطرّقَ النحويون الأوائلُ إلى تراكيب الثلاثي ولم يذكروا هذه الفرضية (فرضية استخراج المعنى ونقيضِه من الجذر الثلاثي بتغيير ترتيب الأحرف).

ولكنَّ إمامَ العربيَّة ابنَ جِــنِّـي (920 أو 941-1002 م)، تِلميذَ أبي عليٍّ الفارسيّ (900-987 م)، ذَكَــرَ في الـخصائص (ج 1، «باب الاشتقاق الأكبر») فكرةً قريبةً، وهي "الاشتقاق الأكبر" [أو "الاشتقاق الكبير"] الّذي يقوم على افتراض وجود معنى جامع لجميع تراكيب [تَقاليب] الثُّلاثيّ الستَّة. فابن جِـنِّـي يَـرى، مَثلاً، أنَّ التراكيبَ: «س.م.ل»، وَ«م.س.ل»، وَ«س.ل.م»، وَ"م.ل.س"، وَ«ل.س.م» وَ«ل.م.س» لها مَـعنىً جامِـعٌ مُـشتمِـل عليها وهو "الإصحابُ والـمُلايَـنة" (ومِـنْ هذه التراكيبِ: ١-الثوبُ "السَّمَـلُ"، وهو الـخَـلَـق [البالي] [خَلُقَ الشَّيءُ: اِمْـلاَسَّ ولانَ]، وذلك لأنَّـه ليس عليه من الوَبَـرِ والزِّئْـبِـر [زَغَبِ المنسوجاتِ أو ما يَـظهَـر مِن دَرَزِ الثَّوب] ما على الجديد، فـالْـيَــدُ إذا مَـرَّت عليها لِـلَّـمْسِ لَـمْ يَستوقِـفْها عنه حِدَّةُ الـمَنسجِ، ولا خُـشْـنةُ الـمَـلْمَسِ؛ ٢-و"السَّمَل": الماء القليل، كأنه شيء قد أَخلقَ وضَعُفَ عن قُوَّة الـمضطرب؛ ٣-و"السَّلامة"، وذلك أنّ السليم ليس فيه عيبٌ تَـقِـفُ النَّـفْـسُ عليه، ولا يُعْتَرَضُ عليها به؛ ٤-و"الـمَسَـلُ" و"الـمَسيلُ" كُـلُّـه واحد، وذلك أن الماء لا يجري إلّاَّ في مَـذْهَبٍ له؛ ٥-و"الأَمْـلَـس" و"الـمَـلْساء"، وذلك أنه لا اعتراض على الناظر فيه؛ ٦-و"اللَّـمْس"، وذلك أنه إنْ عارَضَ اليَـدَ شَيءٌ حائلٌ بينها وبين الـملموسِ لم يَـصِـحَّ هناك لَـمْسٌ... وأمَّـا  التَّركيبُ "ل.س.م" فـمُـهْـمَـلٌ، ولكنَّهم استخدَموا "ن.س.م" [والنون أخت اللام] فقالوا: "نَـــسَـمَت الرِّيحُ"، إذا مَـرَّت مرًّا سهلًاً ضعيفًا.). هذه الفكرةُ [الـمُتمثِّلة في "الاشتقاق الأكبر"] قد بَدَت مُـتَـكَـلَّــفةً وانتقدَها السيوطيُّ (1445-1505 م) في الـمُـزْهِـر في علومِ اللُّغةِ وأنواعِها (ج1). وقد فَـطِـنَ أبو علي الفارسي (الـمُتوَفَّى سَنَةَ 377 هـ) أستاذُ ابن جِـنِّـي إلى "الاشتقاق الأكبر" [فكرة افتراض وجود خيط دَلاليّ جامِـع لتراكيب الثُّلاثيّ الستَّة]. ولكنَّ النُّحاةَ أهملوه فيما بعدُ.

حتى لو كان الاستنتاج صحيحًا في الأمثلة الّتي قدَّمها الأستاذ نَـيُّوف فإن فرضية التضاد هذه (الثلاثي ونقيضه منه) لا يمكن أن نعمِّـمَها على كل أفعال العربية. فهناك جذور لا يمكن استخراجُ نَقيضٍ منها. فالثُّلاثي «خَدَعَ» يمكن استخراج التراكيب التالية منه: «دَخَعَ» و«خَعَدَ» و«دَعَخَ» و«عَخَدَ» و«عَدَخَ»، وكلها مُهمَلة غير مستخدمة، ولا يمكن الافتراض أن أحدها كان مستخدمًا، وبالتالي لا يضم الفعلُ «خَدَعَ» في تراكيبه على نقيضه. وكذلك تراكيب الفعل «خَضَعَ» مهملة كلها: «خعض» و«ضخع» و«ضعخ» و«عضخ» و«عخض». وكذلك الأفعال الثُّلاثية الصحيحة «خَجِلَ» و«فَرِحَ» و«حَزِنَ» و«جَعَلَ» و«دَمَعَ»، لا يمكن استخراج نقيضها من تغيير ترتيب حروفها. كما أنَّ هذه الفَرضيةَ لا تَـصلُحُ في الأفعال الثلاثية المعتلَّة (مثل: «باء» و«شاءَ» و«كان» و«قال» و«عَادَ» [«عَوَدَ»]، إلخ.). فتراكيبُ الجذرِ «عَوَدَ» [«عَادَ»] هي: «وَدَع» و«وَعَدَ» و«دَعَوَ» و«عَدَوَ» و«دَوَعَ» وإذا قلنا إنَّ «عَوَد» نقيضُ «وَدَعَ» (أيْ أنَّ "العَود" نقيض "الوداع") فإنَّ في ذلك تأويلاً ولَــيّاً لِـمعنى الجذرَين؛ لأنَّ النواة الدلالية للفعل "عاد" هي التَّـكرار بينما النواة الدلالية للفعل "وَدَعَ" هي الـتَّـرْك. و"التَّـكرارُ" ليس نقيضَ "التَّـركِ". ولا تَـصلُـحُ هذه الفرضيةُ أيضًا في الجذور الصمَّاء [الـمُضَعَّفة] (كَــ «بَدَدَ» و«مَرَرَ»).

نحن لا نعرف اللغةَ البَدئيةَ الأُمَّ للعربية لكي نُـقرِّرَ هل العربُ استخدمت الجذور الثلاثية بناءً على تبديل ترتيب الأحرف (القلب المكاني، نوع من الإعلال) أَمْ أنَّ كلَّ جَذرٍ كان امتدادًا لأصل سابق. فالعربُ ربَّـما لم تُـفاضِلْ بطريقة واعية بين التراكيب [التقاليب] combinatoires: «جعل - جلع – عِلج – لجع – لعج – عِجل» فتختار «جعل – عجل – علج» وتهمل الباقي. وربما تكون قد أهملَت «لجع» و«لعج» و«جلع» لأنه ليس لها أصول في اللغة البدئية ولَم تُستخدَمْ أساسًا في اللغة الأم للعربية.

يُـفْـهَــمُ من هذه الفرضية التي تقول باحتواء تراكيب الثلاثي على المعنى ونقيضه أنَّ لِـكُـلِّ حَرفٍ معنىً. وهذا غير صحيح، لأنه يعني أنَّ المعنى والصوتَ مترابطان، بينما العلاقة بينهما اعتباطيّة، كما يقول فرديناند دي سوسير Ferdinand de Saussure (1857-1913 م).

القول بأن تراكيب الثُّـلاثي تحتوي على المعنى ونقيضه يعني أن العربية الفصحى هي لغة متجانسة. ولكنَّ العربيَّة [اللغة الرَّسمية الّتي وضعها النُّحاةُ] هي في الحقيقة توليفة [تركيبة أو خَلْطة] من عدة لغات [لهجات] عربية، بلْ هي صناعةٌ وليست سليقةً. وليست أيضًا لُغةَ قُرَيش، كما يُشاع. وقد أوضح كثيرٌ من اللغويين الـمُـحْـدَثِيـنَ كيف أن العربية الفصحى هي صناعة اللُّغَويين انطلاقًا من توليف [جمع] عدة لهجات عربية ثُمَّ أضافوا إليها حركاتِ الإعرابِ، ومن هؤلاء اللُّغَويينَ: "كارل فولَّرس" Karl Vollers (1857-1909 م)، ورائد الدراسات اللغوية الباحث المصري "إبراهيم أنيس" (1906-1977 م)، و"جورجين أيُّوب"، و"جوناثان أوينز" Jonathan Owens، و"يان ريتسو" Jan Retsö، و"پــــيـيـر لارشيه" Pierre Larcher، و"جوليانو لانسيوني" Giuliano Lancioni، و"مانويل سارتوري" Manuel Sartori. بل إنَّ الـمُؤَسِّسَ الفِـعليَّ للعربيَّة أبا عمرٍو بن العلاء البَصريّ (689-770/774 م) أشار إلى عملية التوليف والانتقاء هذه عندما سُئلَ: "أَخبِرني عَـمَّـا وَضَـعْـتَ مِـمَّـا سَـمَّيتَ «عربية»، أَيَدخُـلُ فيه كلامُ العربِ كلُّه؟ فقال: "لا". فقيلَ: "كيف تصنع فيما خالفَـتْـكَ فيه العربُ وهُمْ حُجَّة؟" قال: "أَحمِلُ على الأكثرِ وأسمّي ما خالَـفني «لُغاتٍ»".

الانتقال بين التراكيب الثلاثية قد يكون بسبب اختلاف اللغات [اللهجات]. فالجذرانِ «يَـئِـسَ» و«أَيِسَ» لهما معنىً واحدٌ، وكلُّ جذرٍ منهما استُخدِمَ في لهجة من لهجات العرب. وكذلك «ناء» و«نأى» بمعنى واحد في لهجتين مختلفتَين. وبالتالي فالجذران «يَـئـس» و«ناء» ليس لهما تضادٌّ من أحرفِهما.

يمكن أنْ نَفهمَ من كِتاب الـمُزهِر للسيوطي (وهو كِتاب جمَعَه مِن عدة كُتُب نحوية) أن العرب كانت تنتقي التراكيبَ الأسلسَ نطقًا من بين تراكيب الثلاثي الستّة الممكنة. فمعيار الانتقاء صوتيٌّ (هو السلاسة) وليس دلاليًا (كـ"التضاد بين الجذور"). فلو أخذنا الجذرَ «دال عين ميم» (د. ع. م.) فإنَّ تراكيبه الممكنة هي: [١]-(عَــدَم)، [٢]-(دَمَــع)، [٣]-(عَــمَــد)، [٤]-(دَعَــم)، [٥]-(مَــعَــد)، [٦]-(مَــدَع). ولكنَّ التراكيب منه الأكثر فصاحة واستعمالاً هي (بحسب ترتيب الحروف من الأثقل إلى الأخفِّ: ظ – ذ – ث – ش – ق – خ – ع – ن – ل – ر – ب – م):

الأوّل فصاحةً: ما انْـحُـدِرَ فيه من الـمَخـرَج الأعلى إلى الأوسط إلى الأدنى (عـدم

الثاني فصاحةً: ما انْتُقِلَ فيه من الأوسط إلى الأدنى إلى الأعلى (دمع

الثالث فصاحةً: ما انْتُقِلَ فيه من الأعلى إلى الأدنى إلى الأوسط (عمد

الرابع فصاحةً: الانتقال من الأوسط إلى الأعلى إلى الأدنى (دعم

وأقلُّ التراكيبِ فصاحةً واستعمالاً: ما انتُقِلَ فيه من الأدنى إلى الأعلى إلى الأوسط (معد).

في حين أن التركيب الذي يُـنْــتَــقَــلُ فيه من الأدنى إلى الأوسط إلى الأعلى (مدع) مهمَل لأنه واحد من التراكيب الأقل فصاحة ولعدم الحاجة إليه. ولو نظرنا في دلالات التراكيب الخمسة المستعملة ("عَــدَم" [الافتقار]، "دَمَــع" [السيلان]، "عَــمَــد" [القصد أو اللزوم]، "دَعَــم" [العَون أو المساندة]، "مَــعَــد" [إصابة الـمَعِدة]) لما وجدنا تركيبَين متناقضين لا فيزيائيًا ولا مجازيًا. ولكنْ إذا سلَّمَ ذهنُنا بصحة فرضية التضاد الجذري (احتواء الثلاثي على نقيضه) فإنه، من باب الانحياز التأكيدي biais de confirmation، قد يرى أنَّ الثُّلاثيّ «عَــدَم» [الذي يشير إلى الافتقار]، والثُّلاثيّ «دَعَــم» [الذي يشير إلى العَون] متناقضَينِ.

قد يكمن "إعجاز" العربية، إنْ كان لديها "إعجاز"، بل بالأحرى "مِيْزة" العربية في اختيار كلمة ثلاثية كأصل لمفرداتها وليست رُباعية أو أكثر. هذا الاختيار للأصل الثُّلاثي جَرَى على أساس صوتي فيزيائي بحت. فلِـماذا اختارَت العربُ أصلاً ثُلاثيًا؟ الأصول: ثُلاثي ورُباعي وخُماسي. أكثرُها استعمالاً الثلاثي ["فَـــعَـــلَ"] لِــخِــفَّـتِه وقِلَّة تراكيبه [سِتَّة]، ففيه حَرفٌ للابتداء وحَرفٌ للحشو وحَرفٌ للوقف عليه. فلا يُـبْـدَأُ إلاَّ بِـمُتحرِّك [فاء الكَلمة] ولا يُوْقَف إلاَّ على ساكِن [لام الكلمة]، فوَجَبَ توسُّطُ عَينِ الكلمةِ حاجِزًا بين مُتنافرَينِ حتَّى لا يُـتَوَقَّـفَ فجأةً.

١-

فَـــ [فُــ/فِـــ]

حَرَكة انطلاق

 

أَخضر

٢-

ـعَــ [ـعُـ/ـعِـ/ـعْـ]

حركة تخفيف للوصول إلى الوُقوف

 

بُرتُقاليّ

٣-

ـلْ

وُقوف [سُكون]

 

أَحمر

ولذلك فالثلاثي [وتراكيبه الستَّة] أَخَفُّ مِن الثنائي والرباعي والخماسي. [وتراكيب الثلاثي الستة هي: جعل - جلع – عِلج – لجع – لعج - عِجل.] أمّا تراكيب الرباعي فهي أربعة وعشرون اُستُـعمِلَ منها الأقلُّ النزر [عَقرَب – بُرقُع – عَبقَر – عَرقَبَ]. وتراكيب الخماسي أكثر وأثقل. ولذلك قلَّ الخماسيُّ أصلاً لإفراط طوله. فمثلاً استُخدِمَ تركيبُ "سفرجل" مِن أصل مِئةٍ وعشرين تركيبًا لأحرُفِه.

ولكنَّ تَصَرُّفَهم بالرُّباعيِّ أكثرُ بقليلٍ من الخُماسي (لقُربِ الرباعي من الثلاثي) وأقلُّ من الثلاثي. وأحيانًا شبَّهوا الثُّلاثيَّ بالرُّباعيِّ فأَهمَلوا بعضَ تراكيبِ الثلاثي ليس بسبب الثقل، كإهمالِهم "لـــــجع" [مع أنهم استخدموا "نـــجع" و"رجع"، واللامُ أُختُ النون والراء]. فالـمُهمَل من الثلاثي لغير الثقل [لغير قُبح التأليف] سببُه أنهم شبَّهوه بالرُّباعي، أيْ أنَّ علاقته بالرباعي كعلاقة الرباعي بالخماسي. وعندما تصرَّفوا بالخماسي فلأنهم شبَّهوه بالرباعي، أيْ أنهم رأوا أنَّ علاقته بالرباعي كعلاقة الرباعي بالثلاثي. ومِن عادةِ العرب أنهم إذا أعطَوا حُكمًا لشيء أعطوا هذا الحُكم للمأخوذ منه.

كيف اختارت العرب الجذور الثلاثية؟ إذا أهمل العرب ثلاثيًا فلأنهم حَمَلوه على حُكم الرباعي. ولكنْ لماذا استعملَت العربُ بعضَ الأصول دون بعضٍ؟ لأنَّ واضِعَ اللغةِ قاربَ اللغةَ مِن منظور كُلاَّنيٍّ approche holistique («هَجَمَ بفِكرهِ على جميعِها»، بحسب تعبير السيوطي في الـمُزهِر). فرَفَضَ أولاً ما شَــنُـعَ تأليفُه [هع/قخ/كق]. ثم عرفَ واضعُ اللغة أنَّ الكلمة الطويلة لا تمتلك مرونةَ التصرُّفِ التي يمتلكها الأصل الثلاثي. ثمَّ رأى واضعُ اللغةِ أنَّ مرونةَ الأصل الثلاثي غير تامة، فـــرَغمَ قابلية الأصل الثلاثي للتصرُّف فإنَّ هناك عائقًا يمنع التصرُّفَ التامَّ به وهو أنَّ الانتقال من أصلٍ إلى أصل يُشبِه الإعلالَ [تغيير صرفي في حرف العلَّة بالقلب أو الحذف أو الإسكان] (مثل: "اضْمَحَلَّ"/"امْضَحَلَّ" – و"صَبَرَ"/"بَصَرَ" – و"ضَرَبَ"/"رَبَضَ" – و"قِسِـيٌّ" [ج. "قَوس"][1] – و"أَيْـنُـق" [ج. "ناقة"][2] فامتنعوا عن استخدامِ جميعِ احتمالات تراكيب الثُّلاثي.

وبالتالي، تبدو هذه الفرضيةُ (فرضية التضاد الجذري، أيْ: اشتقاقُ نقيضِ الثُّلاثي من حروفه بتغيير ترتيبها) ضعيفةً لشدَّة ضبابيتها وذاتيّتها وعدم ضَـبْـتِـها أو إحكامِها موضوعيًا. فالعرب لَم تَستخدِمْ جميعَ تراكيب الثلاثي لأنهم شبَّهوه بالرباعي «حَذَوهُ حَذْوَ الرُّباعيّ» (كما يقول السيوطي في الـمُزهِر)، ولأنه غير تام المرونة فهناك تراكيب ثلاثية ثقيلة (كَـ «عَخَض»). وبالتالي فإن معيار العرب لاختيار تراكيب الثلاثي هو معيار صوتي أكثر منه دلالي. وهذا المعيار الصوتي قد يجعل بعض التراكيب متناقضة ولكن ليس كلها.

وقد أشار الأستاذ نزار نيوف في ردٍّ على هذا المقال أنَّ الموضوع قابلٌ للنقاش وأنَّ الغرضَ من مقالِه هو إثباتُ أنَّ اللغةَ "مُـعطىً فيزيائيٌّ مُـرتبطٌ بالحركة"، أيْ مُـعطىً ماديٌّ وليسَ غيبيًا، والردُّ – ضِمنًا - على من يربط اللغة بعالَـم الغَيب.

وذَكَرَ نَـيّوف أنَّ مقالَه امتداد لنقاشاتِ الـمعتزلة التي قضى عليها فقهاءُ اللغة الإسلاميون الأصوليون من خلال "الزعبرة" القرآنية المعروفة (المنبثقة من الآية: "وعَـلَّـمَ آدمَ الأسماءَ كلَّـها" [البقرة، 31]) التي اعتبروها برهانًا على أن اللغة "وحي إلهي" [يَقصِد أنهم اعتبروا اللغةَ تَـوقيفًا [وحيًا] لا اصطلاحًا]. وأوضحَ نَـيُّـوفٌ أنَّ صاحب هذه "النظرية" [يَقصِد "الفَرضية"] هو عالم اللسانيات السوري جعفر دك الباب (1937-1999 م)، الذي اتُّـهِـمَ بالشيوعية فقط لأنه نَـشَـرَ بحثًا عن "مادية اللغة" قالَ فيه إنَّ كُـلَّ فِعلٍ ثُـلاثي يحمل نقيضَه في ذاته.

ولكنَّ اللغوي الفرنسي مانويل سارتوري (الأُستاذ في جامعة آيكس-مرسيليا) يـميل إلى الاعتقاد بأنَّ مثل هذه الافتراضات (كافتراض اشتقاق المعنى ونقيضه من كلّ فعل ثُلاثيّ عربي) قد تكون ناتجة عن اعتبارِ "العربية" لُـغةً فريدةً ومُـميَّزةً عن غيرِها وبأن مثل هذا الاعتبار قد يكون أحدَ انعكاسات "الوحي" [أيْ اعتبار اللغة "تَوقيفًا"، أيْ أحد انعكاسات الآية "وعَـلَّـمَ آدمَ الأسماءَ كلَّـها"].

جامعة آيكس-مرسيليا

آيكس-أون-پروڤانس، 26 شباط/فبراير 2020

*** *** ***

المراجع:

-       السيوطي، الـمُـزهِر، ج. 1، المكتبة العصرية، بيروت، 1985.

-       ابن جِـنِّـي، الـخصائص، الجزء الأول، "باب ذكر علل العربية أكلامية هي أَمْ فقهية"، نسخة رقمية (موقع: https://www.kutubpdfbook.com).


 

horizontal rule

[1] "الــقِسِـيٌّ" [الأقواس] جمعُ "قَوْس"؛ وفيها إعلالٌ لأنَّه إذا جمَعنا وزنُ "فَــعــْــــل" على "فُعُول" [كَــ" قَلْب-قُـلُوب" و"بَـحر-بُحُور" و"وَعد-وُعُود" و"وَعل-وُعُول" و"كَعب-كُعُوب" و"صَرح-صُرُوح" و"جَمْع-جُمُوع"] فسيكون جمعُ "قَوْس": "قُــوُوْس" >>> "قُـــسُـــوُوْ" >>> "قِـــسِـــيٌّ" [حيثُ قُلِبَتْ الواوانِ ياءين لوقوع الواوين المذكورين في الطرف في الجمع].

[2] "الأَيْـنُـق" [النُّوق/النِّياق/النَّاق] جمعُ "ناقة". وفيها إعلال وإبدال، لأنَّه إذا جمعنا "فَــــعْــــلَة" [أو "فَـــعَـــــلَة"] على "أَفْــعُـــل" فسيكون جمعُ "ناقة": "أَنْـــوُق"، وتصبح "أَوْنُق، ثمَّ "أَيْــنُـــق" بالإعلال والقلب المكاني. (ملاحظة: أيُّ اسمٍ ثلاثي ليست عينه حرف علة وهو على وزنِ "فَعْل" فإن جمعه على "أَفْعُل" [كَــ: "فَلْس-أَفْــلُس" و"شَهْر-أَشْهُر" و"نَــفْس-أَنْفُس" و"وَجْه-أَوْجُه" و"حَرف-أَحرُف"]. وكذلك تأتي صيغةُ "أَفعُل" جمعًا للرباعي إذا كان اسمًا لمؤنَّث قبل آخرِه مَدَّة كــ"العَـناق" [وَلَد المَعز] و"الذِّراع" فتقول: "أَعــنُق"، و"أَذْرُع".)

 

 

 الصفحة الأولى

Front Page

 افتتاحية

                              

منقولات روحيّة

Spiritual Traditions

 أسطورة

Mythology

 قيم خالدة

Perennial Ethics

 إضاءات

Spotlights

 إبستمولوجيا

Epistemology

 طبابة بديلة

Alternative Medicine

 إيكولوجيا عميقة

Deep Ecology

علم نفس الأعماق

Depth Psychology

اللاعنف والمقاومة

Nonviolence & Resistance

 أدب

Literature

 كتب وقراءات

Books & Readings

 فنّ

Art

 مرصد

On the Lookout

The Sycamore Center

للاتصال بنا 

الهاتف: 3312257 - 11 - 963

العنوان: ص. ب.: 5866 - دمشق/ سورية

maaber@scs-net.org  :البريد الإلكتروني

  ساعد في التنضيد: لمى       الأخرس، لوسي خير بك، نبيل سلامة، هفال       يوسف وديمة عبّود