الغرب اليوروأمريكي في مواجهة الشرق العربي والإسلامي:
قراءة في تمرُّد الشارلمانية اللاتينية على الشرق البيزنطي

 

فادي أبو ديب

 

في مسألة العلاقات الغربية-العربية والإسلامية عمومًا نقف اليوم، في العالم العربي، أمام طرفين: طرف يتهم الإسلام والعرب، ولسان حاله يقول "يا ليتنا نسمع من الغرب ونتبعه ليرضى عنا ويفتح لنا أبواب السماوات والأرض"، وطرف آخر يقول بالعكس فيحضُّ على معاداة الغرب بطرق مختلفة. وكلا الطرفين يعتقد أنَّ المشكلة هي بين الإسلام تحديدًا والغرب أو بين الدين والعلمانية. ومع الاعتراف بأنَّ هذه المشاكل موجودة بكل تأكيد، إلا أن منحها خصوصية مبالغًا فيها أمر لا يمكن أن يكون صحيحًا لا من الناحية الواقعية المعاصرة ولا من ناحية دراسة التاريخ. لهذا ستقدم هذه المقالة نموذجًا آخر وهو نموذج العلاقات الغربية-البيزنطية، مع إدراك أنَّ مصطلح "الغرب" كما نستعمله اليوم لا يمكن أن ينطبق على أوروبا في بدايات العصور الوسطى، أي في القرون الأولى بعد سقوط روما عام 476 م.

ليس الهدف من هذه المقالة الخروج بتصور عمَّن هو الظالم بالمطلق أو المظلوم بالمطلق، فتصوير طرف بأنَّه قمة التحضر مقابل طرف آخر يمثِّل قمة التوحُّش ليس بالأسلوب السليم للفهم. الهدف إذن من هذه القراءة إلقاء الضوء على بعض التفاصيل في الحقبة التي تلت سقوط روما وصولاً إلى الحملات الإفرنجية على الشرق، وذلك بالتركيز على العلاقة الغربية مع الشرق البيزنطيِّ بشكل خاص. من الجدير ذكره أيضًا أن التطرق إلى مسألة الإضافة إلى قانون الإيمان لا تبتغي تقييم السلامة اللاهوتية (الفقهية) للمصطلحات، فهذا نقاش له مختصوه وموضوعه الدراسيُّ الخاصُّ به، بل الغاية منها الاطلاع على الجانب التاريخي، الثقافي والسياسي. بمعنى آخر، المسألة موضع النقاش هنا هي مسألة الإضافة بحد ذاتها وليس تقييم محتوى هذه الإضافة.

بيزنطة والفرانك وروما "المحتَلَّة"

لفهم أفضلٍ لتاريخ أوروبا السياسي والديني ينبغي إذن إلغاء أي تصوُّر لأوروبا الموحدة عند التعامل التاريخي مع تاريخ كنيسة روما المتهمة بكل مآسي العصور الوسطى وظلاميتها. فقد جرت العادة في دوائر المعرفة الشعبية (ووصف "الشعبية" هنا يشمل التصور العامِّيَّ وتصور المفكِّرين أيضًا من غير المتخصصين في الأمر) على تخيُّل وجود مسيحية أوربية غربية واحدة، وهي الكنيسة الكاثوليكية الرومانية التي حكمت العالم الديني الغربي منذ القرون الميلادية الأولى حتى الثورة الفرنسية تقريبًا.

ولكن هذا التصور غير صحيح، ولا تدعمه المصادر التاريخية ولا يأخذ بالحسبان التمايزات الثقافية الحادة في الحيِّز الأوروبي. فبحسب اللاهوتيّ اليونانيِّ جون رومانيذس (1927-2001)، أستاذ اللاهوت العقائدي في جامعة تسالونيكي ثم في جامعة البلمند في لبنان، مرَّت الكنيسة الكاثوليكية بتغيُّر ثقافيٍّ أساسيٍّ في أوروبا، في القرون التي تلت سقوط مدينة روما عاصمة الجزء الغربي من الإمبراطورية الرومانية في عام 476م، وهذا التغيُّر الثقافيُّ إثنيٌّ في المقام الأول.[1] ويتبيَّن أيضًا أنَّ المعلومة الشائعة بين دارسي تاريخ الكنيسة (من دون دراسة التاريخ السياسي لأوروبا)، وهي أنَّ أسقفية روما هي الوحيدة من بين الأسقفيات الخمس الكبرى التي لم تخضع للاحتلال (كون الأربع الباقية أصبحت تحت حكم العرب ثم العثمانيين)، هي ببساطة معلومة غير صحيحة؛ ولكن ما يساعد على انتشارها هو أنَّ روما خضعت لحكم شعوب مسيحية في الغالب ولم تنتقل كما فعلت الأسقفيات الأخرى إلى يد حكَّام من ديانة أخرى مختلفة عنها بشكل واضح وصريح، بالإضافة إلى القراءة التاريخية بعيون سياسية حديثة لا تنتمي إلى العالم القديم وبدايات العصور الوسطى. كما يساعد على هذا الفهم الخاطئ حقيقة أنَّ التاريخ يكتبه غالبًا المنتصر، والرومان كغيرهم من الشعوب المهزومة خسروا عالمهم إلى الأبد، ولو أنَّ تأثيرهم الماديَّ والثقافي بقي حاضرًا.

لقد جعل سقوط روما البابا يجد نفسه بمثابة الزعيم الديني والسياسي أيضًا للشعب الروماني، كون الكنيسة هي المؤسسة الأقوى الباقية من بين أطلال ذلك العالم الكلاسيكي الروماني المتهاوي. وهو موقف سيتكرر بعد حوالي الألف عام مع بطريرك القسطنطينية بعد انهيار الإمبراطورية البيزنطية عام 1453م، حين وجد نفسه في نظر الأتراك زعيم "ملة الروم"، أي الممثل الديني والسياسي والاجتماعي لهم. وقد تكرر هذا في كل البلدان المحتلة في البلقان وشرق أوروبا.

وكان الفرانك، وهم من القبائل الجرمانية الغربية، قد اعتنقوا المسيحية حوالي عام 496م تحت قيادة الملك كلوفيس، وتمكّنوا من الانتصار على منافسيهم من الجرمان الآخرين وسيطروا بالتدريج على أجزاء واسعة من الغرب الأوروبيِّ بما فيها روما نفسها.

وفقًا لذلك يمكن مراقبة تحول الكنيسة الكاثوليكية (التي ما تزال تدعى حتى اليوم على كل حال بالكنيسة الرومانية) من رومانيَّة إيطالية، إن صح التعبير، إلى فرانكية جرمانية، انتهت باعتراف البابا ليو الثالث (أو بإجباره، بحسب رومانيذس) على تتويج شارلمان إمبراطورًا على الغرب (على الرومان تحديدًا، عكس إرادة شارلمان).[2] ولكن قبل تتويج شارلمان، ومنذ أواسط القرن السابع الميلادي تقريبًا وما قبل ذلك، كانت قد بدأت عملية استبدال كبيرة لأساقفة الكنيسة من الرومان (الإيطاليين أو من الإثنيات الأخرى التي تشرَّبت الثقافة الرومانية) بأساقفة من الفرانك الجرمان، والذين كان العديد منهم فعليًا قادة عسكريين في جيش شارل مارتل الذي حكم الفرانك بين عامي 715و741 م (وهو من هزم العرب في معركة بواتييه). ورغم أن الفرانك تركوا روما ومحيطها بيد الرومان مانحين إيَّاهم بعض الحقوق الدينية التي تمنحهم حق انتخاب أساقفتهم من نفس جنسيتهم الرومانية، إلا أنَّ البابا وشعبه الروماني كانوا فعليًا تحت رحمة ملوك الفرانك الذين تمكنوا لاحقًا من استبدال الباباوات بأشخاص من جنسيتهم. كما أشاع هؤلاء الحكَّام الجدد للجزء الغربي من أوروبا أمرًا لم يكن يتصوره المسيحيون حتى ذلك الوقت، وهو شراء المناصب الكنسية بالمزادات.

شارلمان (محطة ميتز للقطارات- فرنسا)[3]

يشير رومانيذس إلى أنه منذ ذلك الوقت لم يعد بالفعل الانقسام بين شرقٍ بيزنطي وغربٍ روماني، بل بالفعل بين شرق يونانيٍّ، وغرب فرانكي (إفرنجيِّ جرمانيٍّ) يسيِّر الرومان وكنيستهم ويفرض نظامه الإقطاعيَّ عليها، وذلك لحماية نفسه من مصير إسبانيا التي سقطت مدنها بيد المسلمين، والتي فتح أبوابَها الشعبُ الروماني الذي كان قد سبق وخضع لاحتلال القبائل الجرمانية الأخرى والمتحالف مع العرب والبربر "المُتَرَوْمِنين" القادمين من شمال أفريقيا.

وعلى أية حال، ينوِّه رومانيذس بأنَّ الفرانك بقيادة شارلمان لم يكونوا يألون جهدًا في إدانة اليونانيين (الإمبراطورية الرومانية الشرقية- البيزنطية):

كان الفرانك مهتمين جدًا بإدانة "اليونانيين" بشكل مستمرٍّ ووصمهم بالهرطقة، من دون الرومان [من رعاياهم]، مع أنَّ الرومان الشرقيين والغربيين كانوا أمَّة واحدة. وهكذا ففي مجمع فرانكفورت (794م)، أدان الفرانك "اليونانيين" ومجمعهم المسكونيَّ السابع بحضور مندوبي البابا الروماني هادريان الثاني الذي كان مشجِّعًا قويًا لهذا المجمع المسكوني السابع بالذات.

[وكان المجمع المسكوني السابع الذي عقد عام 787م قد كرَّس بصورة نهائية مسألة تكريم الأيقونة في العبادة المسيحية بعد فترة طويلة من الصراعات الداخلية بخصوصها].

ولكن التدخل الأكبر للفرانك بزعامة الإمبراطور شارلمان لم يكن ذا طبيعة حاسمة للعلاقات بين الشرق البيزنطي والغرب الروماني- الفرانكيّ قبل إضافة الإمبراطور عبارة "ومن الابن" إلى قانون الإيمان في بلاده والبلاد الأخرى الخاضعة له، لا بل جعل هذه الإضافة عقيدة "دوغما" ضرورية للخلاص، وذلك في مجمع آخن عام 809م.[4] هذه الإضافة أصبحت الرمز الكبير للقطيعة اللاحقة بين الشرق والغرب المسيحيَّيْن عام 1054م كما هو معروف بشكل واسع النطاق وتؤكِّد عليه روزاموند ماكيتريك،[5] لا بل إن أهميتها تظهر في الظن الذي يحمله الكثيرون بأنَّ القطيعة حدثت فقط من أجل هذا الأمر. فقانون الإيمان النيقاوي-القسطنطيني الذي أقره المجمع المسكوني الثاني في القسطنطينية عام 381م، والذي يحتوي على عبارة "... وبالروح القدس، الربُّ المُحيي، المنبثق من الآب، الذي هو مع الآب والابن..."، أصبح نتيجة الإضافة الفرانكية مكتوبًا كما يلي: "... وبالروح القدس، الربُّ المُحيي، المنبثق من الآب والابن، الذي هو مع الآب والابن..." الأمر الذي أثار الكنيسة البيزنطية، لأنَّ أي تعديل من هذا القبيل، لو كان سيحصل، يجب أن يقرَّه مجمع مسكوني آخر يضمُّ أقطاب الكنيسة في العالم المعروف وقتها، ولا يمكن افتعاله من طرف واحد سواء أكان من قبل إمبراطور الفرانك أم من قبل بابا روما نفسه. ولا بد من التأكيد مجددًا في هذا الموضع، على أنَّ المسألة اللاهوتية المختصة بهذه الإضافة تستحق لوحدها نقاشًا طويلاً ومفردًا. وليس من الأمانة نعت طرف من الأطراف بالخطأ المطلق من دون دراسة وافية للأمر. ولكن المهم هنا ليس محتوى إضافة شارلمان بل الفعلة نفسها التي كانت انتقامًا لعدم دعوة الأساقفة الفرانك إلى المجمع المسكوني السابع من جهة ولإثبات استقلاله عن الإمبراطورية الرومانية البيزنطية بشكل نهائيٍّ من جهة أخرى كما يشير إلى ذلك إدوارد سيِسيِنسكي.[6] ولهذا، فمن الملاحظ أن العديد من الردود البيزنطية الشرقية على هذه الإضافة كانت تدين "التفسير الفرانكي" لهذ المسألة اللاهوتية،[7] كما أن المجمع الذي عقده بطريرك القسطنطينية فوتيوس عام 867م. أدان أيضًا البابا نيكولاس والفرانك من أجل هذه الإضافة على قانون الإيمان. وبعد نفي فوتيوس ومصالحته وإعادته وترشيحه بطريركًا من جديد تم عقد مجمع مسكوني (كما يسميه البعض أحيانًا، رغم أنه لا يُعتَبَر اليوم من المجامع المسكونية المعترف بها) جديد بحضور مندوبي بابا روما الجديد، يوحنا الثامن، واتفق المجتمعون على رفض الإضافة الجديدة على قانون الإيمان وإدانة القائمين عليها. ويشير يوهان ماير إلى أنَّ هذه الإدانة لم تكن موجهة إلى روما بل إلى اللاهوتيين والمرسَلين الفرانك الذين كانوا ينشرون الإضافة الجديدة وخاصة في بلغاريا المجاورة لبيزنطة.[8]

وهكذا، فحتى ذلك الوقت من بدايات القرن التاسع الميلادي لم يكن بابا روما ولا الرومان بالعموم قد قبلوا بالتغيير الفرانكي لقانون الإيمان المسيحي واستمروا في صلواتهم يتوجهون بالصلاة والدعاء للإمبراطورية الرومانية، أي، في ذلك الوقت، الإمبراطورية البيزنطية الشرقية. ومع ذلك فإنَّ الدولة الفرانكية، كما يشير رومانيذس، كانت تنظر إلى البيزنطيين كمجرَّد يونانيين وليس كرومان، وهذا يعني، حتى بالمنطق الروماني القديم الساري بعد اعتناق قسطنطين للمسيحية، أنَّهم وثنيون وليسوا مسيحيين. يشرح رومانيذس أنَّه "وفق المنطق الفرانكيِّ فإنَّ هذا يعني أنَّه إذا أصبح الرومان الشرقيون هراطقة فإنَّ هذا إثبات على أنهم قد تخلوا عن جنسيتهم الرومانية وأنَّ إمبراطوريتهم لم تعد أبدًا رومانيا. وهكذا فإنَّ الصلوات الرومانية الغربية لم تعد تنطبق على إمبراطور اليونانيين الهرطوقي بل على الإمبراطور الفرانكي الأرثوذكسي [أي المستقيم الإيمان] الخاص بالرومان المستقيمين عقائديًا." هذا طبعًا يُضاف إلى قناعة الفرانك بأنَّ الله لو لم يكن معهم وليس مع البيزنطيين لما كان سيمنحهم كل هذه الانتصارات العسكرية الواسعة ويمنعها عن البيزنطيين الذي كانوا قد خسروا أراضيهم لمصلحة الجرمان والعرب.

ويبدو أنَّ الرومان لم يكونوا يعون بعد مضامين الحركة التي قام بها بلاط شارلمان من الإضافة الأحادية الجانب إلى قانون الإيمان؛ ويشرح رومانيذس أنَّ البابا يوحنا الثامن "عبَّر للبطريرك فوتيوس [بطريرك القسطنطينية] عن أمله بأنَّه... ربما يكون قادرًا على إقناع الفرانك بحذف عبارة "ومن الابن" من القانون. ولكن ما لم يعه الباب يوحنا تمامًا هو الإصرار الذي قرر وفقه الفرانك بأنَّ الرومان الشرقيين هم مجرد يونانيين وهراطقة، كما يتضح من التراث الفرانكي الذي بدأ بإنتاج أعمال مكتوبة ضد أخطاء اليونانيين."

ولذلك فمنذ هذا الوقت فصاعدًا (وفي الحقيقة منذ سقوط روما) يجب النظر إلى كنيسة روما على أنها رازحة تحت الاحتلال. وكثير من مسائلها التنظيمية والإيمانية كان يجب أن تأخذ بعين الاعتبار حقيقة كونها تحت سلطة ملوك الفرانك، هذا من دون نسيان أنَّ الرومان بدؤوا في عدد من المناطق والبلدان بالذوبان تدريجيًا في الهوية الفرانكية الجرمانية، الذين باتوا هم العصب المحرِّك لنشاط كنيسة روما؛ فنرى مثلاً أنَّ روما أرسلت مبعوثين من الفرانك لتحويل بلغاريا إلى الكاثوليكية.[9] بالإضافة إلى هذا الذوبان التدريجي في بعض المناطق، يشير رومانيذس إلى أنَّ ملوك الفرنجة بدؤوا بتعيين باباوات منهم وعزل الرومان، ويصوِّر رومانيذس واقع الحال حينها كما يلي:

بعد موت برونو [وهو فرانكي]، عُيِّن غربرت في منصب الباباوية من قبل أوتو الثالث، وقد حكم رومانيا الباباوية باسم سيلفستر الثاني (993-1003). بالنسبة إلى المؤرخين الأوروبيين والأمريكان فإنَّ سيلفستر الثاني هذا هو أحد أعظم الباباوات في تاريخ الباباوية. ولكن بالنسبة إلى الرومان كان هو رأس جيش الاحتلال الفرانكي، وهو البابا الذي أدخل منظومة القمع الإقطاعية إلى رومانيا الباباوية واستعبد الرومان لطبقة النبلاء الفرنجة، حيث لم يكن هنالك أي طريقة تجعل الناس في "روما القديمة" يقبلون الباباوات الجرمان.[10]

وأعتقد أنَّ هذه ناحية يتم إهمالها عادةً، إلا عند المختصين في تاريخ هذه المسألة، عند التفكير بالكنيسة الرومانية الكاثوليكية وبالتاريخ الديني في الغرب عمومًا؛ حيث يتم دائمًا مساواة الكنيسة الكاثوليكية بالديانة الكاثوليكية الأوروبية عمومًا من دون الانتباه أنَّ المسألة الإثنية مهمة من النواحي السياسية والدينية التنظيمية والإيمانية حتى. وبالمختصر، فبدءًا من سقوط روما لم تعد الكنيسة الرومانية، أي كنيسة روما، تعمل بأريحية وحرية في أرضها وبين شعبها كما كان الحال عليه في زمن الإمبراطورية الرومانية، بل أصبحت خاضعة ومحتلة، مع شيء من الاستقلالية الخاضعة للرقابة، من دون أن نهمل طبعًا أنَّ الأمر كان يتغير بعض الشيء صعودًا أو هبوطًا بحسب التغيرات السياسية والتحولات الأخرى وقوة الملوك والباباوات أو ضعفهم.

ويخلص رومانيذس إلى تصوُّر هام يفصل أولاً بين "المسيحية الرومانية" و"المسيحية اللاتينية" من ناحية أولى، وينفي أنَّ الانشقاق الكبير بين الشرق المسيحي والغرب المسيحي هو في الحقيقة بين بيزنطة وروما من ناحية أخرى. فرومانيذس يصرُّ (ربما لدوافع قومية لديه ولكنها ليس من دون برهان تاريخيٍّ)[11] على أنَّ بيزنطة وروما، أو "روما الجديدة" و"روما القديمة"، هما وجهان لنفس الهوية الرومانية، بينما الهوية اللاتينية هي بالفعل الهوية الجرمانية التي تلقفت اللغة والثقافة المسيحيتين من روما رغم سعيها إلى نفيها واستعبادها. ولذلك نراه يؤكّد على أنّه

يوجد برهان قويٌّ على أنَّ طبقة النبلاء العليا والدنيا في النظام الإقطاعي الأوروبي كانت في غالبيتها من المنحدرين من الفاتحين الجرمان والنورمان وأنَّ الأقنان كانوا في غالبيتهم من أحفاد الرومان والسلت والساكسون المتشرِّبين للهوية الرومانية والخاضعين للاحتلال. وهذا يشرح لماذا بات الاسم "فرانك" يعني النبيل والحرَّ على عكس الأقنان. لقد كان هذا الاستخدام قويًا إلى درجة كافية للدخول في اللغة الإنكليزية عن طريق النورمان. وهكذا صار حتى الأفريقي-الأمريكي يوصف بأنَّه قد نال رخصته [حرفيًا "إفرنجيته"] franchise حين ينال حريته.

إنَّ مضامين [الاستنتاج أعلاه] مثيرة إلى حد بالغ حين نطبقها على مهمة فهم الإطار الذي عملت ضمنه المسيحية الفرانكية [الإفرنجية] أو اللاتينية ولاهوتها بالنسبة إلى المسيحية واللاهوت الرومانيَّيْن. الإقطاع ومحاكم التفتيش واللاهوت المدرسيِّ كانت كلها وبشكل واضح من عمل الفرانك والجرمان واللومبارديين والنورمان والقوطيين، الذين سيطروا على الكنيسة وممتلكاتها، واستخدموا ديانة الرومان للحفاظ على الرومان المهزومين في حالة من العبودية...

ولأنه من المستحيل أن يصدق أحد أنَّ أربع بطريركيات رومانية [القسطنطينية، أنطاكية، أورشليم، الإسكندرية] انفصلت عن الباباوية الإفرنجية، أُجبِر الفرانك على ابتكار خرافة قابلة نوعًا ما للتصديق بأنَّ البطريركيات "اليونانية" الأربع انفصلت عما يدعى بالباباوية الرومانية، والتي هي في الحقيقة إفرنجية. وما زال الأوروبيون والأمريكيون مستمرِّين بترويج هذا التصوُّر.

ولفهم أهمية هذه الحقيقة التاريخية، يجب أن نعيد التأكيد على حقيقة أنَّ مفهومنا الحديث عن أوروبا كهوية موحَّدة لم يكن موجودًا أبدًا في بداية القرون الوسطى. بمعنى آخر، يهمل المؤرخون والمؤرخون الكنسيون حقيقة احتلال روما، مثلها كمثل أي عاصمة مسيحية مشرقية، بسبب الأثر الرجعي للواقع الأوروبي الحاليِّ أو الحديث على أقل تقدير: قارة تسودها الديانة المسيحية الكاثوليكية (ولاحقًا تُضاف إليها البروتستانتية)، وبالتالي، بحسب هذا التصور، تكون روما قد بقيت "أوروبية" بعد سقوطها ولم تخضع لشعب آخر غريب أو لديانة مختلفة. ولكن الواقع مختلف، ففي ذلك الزمن كان الفرانك غرباء عن الرومان كما أنَّ الأتراك أجانب بالنسبة إلى العرب. وبالتالي فإنَّ انتقال النفوذ والسلطة في روما من الرومان إلى الفرانك لا يعني بقاءهما في "البيت الأوروبي"، فهذا مفهوم حديث جدًا، بل انتقالهما إلى المحتلِّ بالمعنى الحرفي للوصف.

الهويَّة الفرانكية وتركة شارلمان الأسطورية:

هذه الخلفية التاريخية يمكن أن تلقي ضوءًا لا غنى عنه عند تناول مسائل أخرى لاحقة مثل الحملات الصليبية وما فعلته في الإمبراطورية البيزنطية نفسها. كما أن هذه الخلفية التاريخية تجعل مصطلح "الفرنجة" أدقَّ حتى من الناحية العلمية من مصطلح الحملات الصليبية الذي تستعمله المصادر الغربية نفسها. الدعوة إلى الحرب كانت بالفعل دعوة فرانكية جرمانية أطلقها البابا أوربان الثاني الفرانكيّ لمعاونة الإمبراطور البيزنطي (هذه المرة) على هزيمة السلاجقة الأتراك، آملاً في الوقت عينه باستقطاب السلطة البيزنطية إلى صفه لتوحيد الكنيسة المنشقة تحت سلطته هازمًا بذلك بطريرك القسطنطينية ومخضعًا إيَّاه تحت سلطته الكهنوتية.[12] هذه الهويَّة القومية الفرانكية حقيقة تاريخية. وهي ما يجعل المؤرخ جون جوليوس نورويتش، على سبيل المثال، يتحدث عن دخول صلاح الدين العابر لنهر الأردن إلى المناطق الفرانكية من الأراضي المقدسة، وعن الدول الفرانكية (الإفرنجية) في القدس وأنطاكية وطرابلس.[13]

وإذا كانت الصداقة المؤقتة بين الفرانك وبيزنطة (وهي اتصالات طبيعية بين الدول، وكان مثلها بعض الاتصالات الحميمة بين شارلمان وهارون الرشيد) قد أدت إلى الحروب الإفرنجية في الشرق، فإنَّها قد أدت لاحقًا إلى انهيار الإمبراطورية البيزنطية؛ فالحملة الرابعة التي احتلت القسطنطينية عاصمة البيزنطيين عام 1204م عاثت خرابًا وفسادًا واغتصابًا على طول أراضي الإمبراطورية الموصِلة إلى شرق المتوسط، وخاصة تسالونيكي ثاني أكبر مدن اليونان، قبل أن تصل إلى القسطنطينية وتستبيحها لعدة أيام وتؤدي إلى خسائر فادحة في قوة بيزنطة المتراجعة أصلاً في وجه السلاجقة الأتراك.[14] ويصف جون جوليوس نورويتش اجتياح القسطنطينية من قبل الجيوش الفرانكية بطريقة فاجعة فيؤكِّد أنَّ

الحملة الصليبية - إن كان هنالك حاجة لهذه التسمية - فاقت حتى ما سبقها [من حملات] في الغدر والرياء، وفي الوحشية والجشع. باستباحة القسطنطينية عانت الحضارة الغربية من خسارة تفوق بكثير استباحة روما في القرن الخامس أو إحراق مكتبة الإسكندرية في القرن السابع - إنها ربما الخسارة الأفدح والأكثر كارثية في التاريخ على مستوى حدث واحد. من الناحية السياسية أيضًا كان الضرر الحاصل بلا حدود؛ فبيزنطة لم تستطع أن تستردَّ أي جزء معتَبَر من سلطانها المفقود، بل تُرِكت الإمبراطورية من دون قوة لتدافع عن نفسها في وجه المدِّ العثمانيِّ. ليس هنالك إلا مفارقات قليلة في التاريخ أكثر سخريةً من حقيقة أنَّ مصير العالم المسيحيِّ الشرقيِّ كان عليه أن يُختَتم على يد رجالٍ قاتلوا تحت راية الصليب.[15]

هذا الاحتلال الإفرنجيُّ للقسطنطينية استمر حتى عام 1261م حين تمكن البيزنطيون من استرجاعها ومن دون أن يتمكنوا أبدًا من استرداد قوة الإمبراطورية التي استمرت في التراجع حتى سقطت الإمبراطورية وعاصمتها أمام جيش محمد الفاتح العثماني عام 1453م، بعدما رفض الغرب مد يد المساعدة (إذا ما تم استثناء بعض المساعدات المتواضعة جدًا من بعض المدن الإيطالية) مشترطًا تحول الإمبراطورية إلى الكاثوليكية والخضوع لبابا روما.[16] وهو الأمر الذي وافقت عليها السلطة البيزنطية نفسها ورفضها بعنف شعب المدينة. والجدير بالذكر أنَّه في هذا الزمن المتأخر مقارنة بالأزمنة التي تتحدث عنها بداية هذه المقالة لم يعد مجديًا تتبُّع جنسية البابا أو إثنيته، فالممالك الجرمانية، والفرانكية بشكل خاص، كانت قد وطدت حكمها منذ زمن طويل رغم تعدد الانتماءات والصراعات الكثيرة بينها.

بكلمات أخرى، يمكن من دون مبالغة القول إنَّ الهوية الفرانكية هي في الأساس تقف على مسافة يمكن تمييزها من الهوية الرومانية. لقد أسس الفرانك أو الفرنجة إلى درجة كبيرة للهوية الأوروبية الغربية، ولذلك نسمع أحيانًا بأنَّ شارلمان هو في الواقع أبو أوروبا.[17] ويذهب رومانيذس في خلاصته للجزء الأول من دراسته إلى تشبيه الثورة "الفرنسية" بالثورة اليونانية على العثمانيين، معتبرًا إياها ثورة رومانية على الملكية الفرانكية! وقد يكون الأمر كذلك ولو أنه على تماس مع المبالغة على ما يبدو، فهذا الزعم يستحق بنفسه دراسات مستقلة ومطولة للتركيبة الاجتماعية والإثنية (إن وُجِدت) والثقافية للثورة وإجراءاتها اللاحقة ضد الملكية. ولكن المهم أنَّ الردَّة النابليونية واستعادة فرنسا إلى الدعوة الإمبراطورية وقبلها هزيمة جيش الجمهورية الفرنسية بقيادة نابليون لبابا روما عام 1798م والتوسعات الفرنسية الاستعمارية اللاحقة في حقبة ما بعد نابليون، أي خلال الجمهوريات الفرنسية المتتابعة، كل هذه الأحداث لا يمكن إلا أن تذكر بالرغبة الإفرنجية القديمة في اللقب الإمبراطوريِّ والسيادة على العالم المعروف.[18] هذه الرغبة في السلطة ونفي الآخر لم تتوقف عند رغبة الإفرنج (الفرنسيين بعد ذلك) بل هي موجودة أيضًا في صلب الإمبراطورية الجرمانية المنحدرة من إمبراطورية شارلمان، والمعروفة باسم "الإمبراطورية الرومانية المقدسة" (800 أو 962-1806م)، والتي كانت تتمركز بشكل رئيسي فيما يعرف حاليًا بألمانيا؛[19] فالتاج الإمبراطوريُّ ذو الرمزية العالية والكثيفة لتلك الإمبراطورية كان مصممًا بطريقة تستلهم التراث الإمبراطوري البيزنطيَّ، ولهذا دلالة مميزة تلخصها داغمار باولوس التي تؤكد على أنَّ "السلطة التي يمثِّلها التاج تدَّعي بأنَّها الخَلَف الحقيقيُّ للإمبراطورية الرومانية السابقة ومجال نفوذها الواسع جغرافيًا".[20] بمعنى آخر، كانت السلطة التي يمثِّلها أباطرة الرايخ الجرمانيِّ الأول تحتوي ضمنيًا على معاني نفي السلطة التي تمثُّلها بيزنطة (الإمبراطورية الرومانية الشرقية).

استمرار الشارلمانية وامتدادها الأخلاقي والجغرافي:

إنَّ الغرب الذي نعرفه اليوم كغرب استعماريٍّ (من دون اختزال الغرب كله إلى مستعمر فقط، رغم أنه كان وما زال مستعمرًا منذ نشوء الدولة الحديثة على الأقل) نشأ مع "فرنسا" القديمة وتغذى حتى منتصف القرن العشرين تقريبًا على مفردات "التنوير" الذي تشكِّل الهوية الفرنسية قلبه ولبَّه من دون أدنى شكٍّ، والذي كان ذا دور كبير أيضًا في البناء الفكري والقانوني للولايات المتحدة الأمريكية. الحديث هنا لا يدور عن شرٍّ محض يقابله خير محض. مطلقًا. فلا يخلو تاريخ أي إمبراطورية أو دولة عظمى من شرور مشابهة ومحاولات مشروعة وغير مشروعة للسيادة وتوطيد الأركان والتوسُّع بأشكال مختلفة. ولكن هذه قراءة ضرورية لفهم جانب آخر من جوانب مشكلة "الغرب" (الإفرنجيّ أولاً قبل أن يصير أمريكيًا أنكلوساكسونيّ متطبِّعًا بالمخيال الإسرائيليِّ للطهرانية البيوريتانية لاحقًا) مع الآخر، المختلف، وخصوصًا في شرق وجنوب المتوسط. الأمر لم يعد بالدرجة الأولى مسألة قَبَلية إثنية كما كان قديمًا، فلنشوء الأمم عصبياتها الضرورية التي تخفت بعد توطد أركانها وانتشارها ومرور الزمن عليها، ولكنه بات أمرًا هويَّاتيًا حضاريًا يرى الآخر عبدًا لا يصلح للحياة أو متخلِّفًا ينبغي القضاء على ثقافته واستبدالها أو ملكًا بلا شرعية. المصادفة التاريخية - إن صح استعمال هذا الوصف الملتبس - جعلت المشكلة بين أوروبا الغربية وشرق المتوسط وشمال أفريقيا تبدو مسألة تتعلق بالتقدم العلمي والفكري والحضاريِّ مقابل التقليدية والتخلف الحضاريِّ، ولكن هذا الوازع كان غائبًا في محاكم التفتيش الإفرنجية التي كانت تلاحق مسلمي ويهود الأندلس الأكثر تقدمًا في كثير من النواحي، ولم يكن يصلح كعذر في العداء الحادِّ تجاه بيزنطة (ولا يمكن بأي حال من الأحوال نفي دور بيزنطة كعامل في الخلاف والصراع، حالها كحال غيرها من الدول في النزاعات)، لأن بيزنطة حينها كانت أكثر تقدمًا وتأدبًا وكياسة من الناحيتين الفنية والجمالية والحضارية من الفرانك الصاعدين.

صحيحٌ أنه لا ينبغي التقليل من شأن الفجوة الكبيرة الموجودة اليوم بين الشمال والجنوب والشرق والغرب، ولكن ميل بعض المفكرين والمثقفين والدارسين إلى تلخيص الأمر كمجرَّد مثنوية يمثِّل جانباها التحضر والتخلف، أو الاعتقاد بأنَّه لو سعت شعوب الشرق إلى اللحاق بالركب الحضاري واعتناق عقيدة التقدم بشكلها الغربي لكانت وفرت على نفسها البؤس والاحتلال والذلَّ فيه الكثير من التقصير من فهم كامل الصورة واعتبار خلفيتها التاريخية والثقافية. فاستعباد فرنسا مثلاً لكثير من الشعوب وإخضاع دولها ونهبها المنظم حتى هذه الساعة ليس إلا متابعة للإمبراطورية الفرانكية وسيادتها على الرومان والسلت وغيرهما من شعوب المتوسط أو الشعوب "المُرَوْمَنة" في أوروبا وشمال أفريقيا، عبر سلسلة واحدة غير منقطعة حتى مع قيام الثورة الفرنسية. ولعلَّ هذه السلسلة غير المنقطعة توجد أيضًا تفسيرًا لحقيقة المشاعر المتبادلة والتصورات المتبادلة التي لا تزال تطلُّ برأسها بين الحين والآخر بين شعوب شمال أوروبا وجنوبها من جهة، وبين شعوب شمال دول أوروبية معينة، كإيطاليا وفرنسا وإسبانيا، وجنوب هذه الدول. وهو ما لا يخفى على المطَّلع على بعض شؤون الدول الأوروبية أو القاطن فيها والمتسائل عن أحوالها.

لا غرابة إذن في القول إنَّه لو قرأ العرب تاريخ بيزنطة وتاريخ الإفرنج على المستويين الفكري اللاهوتي والسياسي وعلاقاتهما المتبادلة وفهموه جيدًا واستنتجوا منه العبر لوفَّروا على أنفسهم الكثير من المفاجآت الثقافية والسياسية والاقتصادية التي لم يكن من داعٍ لها. بالطبع تكتسب هذه القراءة أهميتها من كون عنصر الإسلام يغيب عنها، وهو العنصر الذي يجعل الكثيرين يظنون بأنَّ العلاقات بين الغرب والعرب محكومة بالضرورة بالإسلام والذي لولاه لاختلف الأمر جذريًا، وأيضًا من كون عناصر الديمقراطية والعلمانية والليبرالية تغيب عنها، فلا الفرنجة كانوا علمانيين وديمقراطيين ولا بيزنطة كان استبدادها فريدًا من نوعه لتكون مشاكل العلاقات الغربية-العربية أو الغربية-الإسلامية محكومة فقط بغياب الديمقراطية والعلمانية والليبرالية عن البلدان العربية والإسلامية (مع الإدراك لتفاوت هذ البلدان من كل هذه النواحي)، فهي ليست محكومة بهذه العوامل أبدًا. والعلاقات الغربية مع كثير من الدول الملكية الاستبدادية أكثر من ممتازة رغم التضادِّ الصارخ بين الأنظمة والثقافة على الطرفين.

إنَّ فرض شارلمان لنفسه كإمبراطور يحقُّ له أن يغيِّر قوانين الإيمان (من دون اتفاق جامع)، ووَصْم من حمل هذا القانون ورعاه وأوصله إليه بالهرطقة، ومن ثمَّ متابعة جهازه السياسي والإمبراطوري للتصرُّف كسلطة دينية وسياسية مطلقة في العالم المسيحي آنذاك، هذا الفرض يعدُّ أحد أهم أسباب الانشقاق الشرقي-الغربي في العالم المسيحي عام 1054م. وكما ذكرنا أعلاه ليس الهدف من هذا السرد التاريخي الحكم بالصحَّة اللاهوتية لأيٍّ من الطرفين فهذا نقاش مستقلٌّ وليس للبحث فيه مقام هنا. ولكن ما يهمنا في الوقت الحاضر هو الدلالات الأخلاقية للأحادية وما تبعها من نفي وقطيعة وفظائع جرت خلال الحملات الإفرنجية (الصليبية) التي نالت من الشعب اليوناني كما نالت من شعوب المتوسط. فالأحادية إرث غربيٌّ عميق في التاريخ، لعلَّ قمته اليوم تتمثَّل في الولايات المتحدة الأمريكية بأحاديتها الإمبراطورية السياسية والعسكرية وإسرائيليتها الأخلاقية القائمة على استثنائيتها.[21] والملاحظ على سبيل المثال لا الحصر أنَّ أوروبا الغربية المسيحية تابعت مسيرتها اللاهوتية الكنسية بعد القطيعة في عام 1054م وكأنَّ شيئًا لم يكن. الشرق الأرثوذكسي البيزنطي كان ولا يزال، من دون شكٍّ، يعتقد أنَّ الغرب هو المخطئ وهو المبتعِد الذي يجب أن يعود معتذرًا نادمًا كعودة الابن الضال إلى أبيه (وقد يكون في اعتقاده هذا أحاديَّ النظرة. والنقاش في هذا الأمر مستقلٌّ عن سياقنا الحالي). ومع ذلك، فإنَّ هذا الشرق كان ولا يزال يعترف بشكل صريح أو ضمنيٍّ أنَّه جزءٌ من المشكلة. هذا يعني أنَّه لا يمكن عقد مجامع مسكونية تتحدث باسم الكنيسة الجامعة بغياب الجزء الغربي من الكنيسة المسيحية. بشكل أو بآخر يعترف الشرق أنَّ المشكلة هي "في داخله" كما هي خارجه أيضًا وهو بشكل أو بآخر يدفع الثمن. هذا الفهم غاب بشكل واسع عن أوروبا الغربية المسيحية واستمر غائبًا في عصرها ما بعد المسيحيِّ؛ فالكنيسة اللاتينية تابعت عقد مجامعها المسكونية التي تتحدث باسم المسيحية ككلٍّ. اعتقدت روما "المُفَرْنَكة" أنَّها تمثِّل الحقَّ المطلق الذي لا يأتيه الباطل وأنَّ مشكلة القطيعة هي مشكلة "خارجها" ولا يد لها فيها. وهذا يعني ضمنيًا (بغض النظر عن التصريحات) أنَّها ليست جزءًا فعليًا من المشكلة.

هذا التصوُّر للعالم استمرَّ في أوروبا الغربية ومن بعده في العالم الجديد ممثلاً بالولايات المتحدة الأمريكية: المشاكل العالمية التي تتحمَّل أوروبا والولايات المتحدة جزءًا رئيسيًا منها (ولن نبالغ بالقول إنها هي السبب لكل المشاكل لأنَّ هذا غير صحيح) يُنظَر إليها على أنَّها "من الخارج"، وأنَّ تلك هي مشاكل "الآخر البعيد" وهي مسؤوليته الكاملة ومذنوبيته الأبدية أو ربما قدره (إذا كان القائل بهذا من النوع اللطيف الذي لا يلقي بالتهم والإدانات يمينًا وشمالاً!)؛ فإذا فشلت دول الشرق الأوسط التي يشكل تاريخها الحديث جزءًا من تاريخ فرنسا وإنكلترا فهذه مشكلة "خارجية" يمكن للفرنسي أو الإنكليزي والأمريكي (والذين ما يزالون حاضرين بقوة هناك على كل حال) أن "يتوسَّط" فيها ولكنها ليست مشكلته أبدًا وهو ليس جزءًا منها؛ وإذا جاعت "أفريقيا" (التي تشكل بكل كياناتها وسياستها واقتصادها ومشاكلها الحالية - على الأقل - جزءًا عضويًا ومكونًا رئيسيًا من التاريخين الأوروبي والأمريكي) فهذه مشكلة "عند الآخر" الذي يمكن مساعدته أحيانًا عند وجود فائض مالي، ولكنها تبقى "خارجية" ويمكن الصبر عليها وإيجاد الحلول لها على المدى الطويل أو في أوقات الفراغ. وهكذا تطول السلسلة ولا تنتهي. إنَّ العقلية الشارلمانية والإفرنجية فيما بعد، والأوروبية لاحقًا (مع نابليون وهتلر والولايات المتحدة)، سلسلة واحدة من الإنكار والتسويف والتجاهل وشهوة الإمبراطورية العالمية الموحدة، لم تنشأ في مواجهة الإسلام أو العرب أو الشرق المتخلِّف ولن تنتهي فيما لو اختفى هؤلاء من مسرح التاريخ، لأنَّها بدأت قبل وجودهم، لا بل هي بدأت حين كان الشرق في عزِّه وأوج مجده على مستويات عدة لا تخفى على أحد. فالصراع صراع قوَّة ونفوذ وما تبقى أمور تفصيلية وثانوية، والصراع بين الأمم لا يحتاج إلى ذرائع حضارية وثقافية ودينية، فتاريخ العالم يفيض بالحروب الأهلية وحروب الإخوة والجيران المتشابهين.

هنا لا يمكن للمرء إلا أن يتذكَّر استعادة طريفة وفاجعة للعقلية التي ساهمت بشكل رئيسي في انهيار العالم المسيحيِّ الشرقي على يد الإفرنج، وذلك حين وقف السيناتور الأمريكي، المحافظ دينيًا وسياسيًا، تيد كروز أمام وفد قيادات الطوائف المسيحية المشرقية الزائر للولايات المتحدة، عقب سيطرة الحركات الجهادية على أجزاء واسعة من العراق وسوريا بما يشمل مناطق مسيحية تاريخية، ليخبرهم بصريح العبارة أنَّه لا يريد مساعدتهم ونصرة قضيتهم من دون وقوف الوفد ودعمه لدرة تاج الإمبراطورية العالمية في المشرق، أي المنظومة السياسية-العسكرية التي اختارت اسم "إسرائيل" لقبًا لها، مغادرًا قاعة الاجتماع وهو يتفوَّه بعبارة تشبه كثيرًا في سخرية سياقها راية الصليب الإفرنجية: "فليبارككم الله!"[22]

*** *** ***


 

horizontal rule

[1] جميع التفاصيل الخاصة بالعلاقة بين الفرانك والرومان والصراع بينهما مأخوذة من الجزء الأول من دراسة جون رومانيذس المعنونة”Franks, Romans, Feudalism, And Doctrine: An Interplay Between Theology and Society”

هذ المحاضرة المطبوعة ككتاب صغير مفقودة ويصعب الحصول عليها ورقيًا، ولكنها موجودة على الرابط التالي:
http://www.romanity.org/htm/rom.03.en.franks_romans_feudalism_and_doctrine.01.htm#9

[2] يشير جون يوليوس نورويتش إلى أنَّ البابا ليو الثالث ومن خلفه الرومان هو من فرض على شارلمان لقب الإمبراطور وذلك بعد أن وضع التاج على رأسه بعد أن قام من سجوده أمام مذبح الكنيسة في صلاة عيد الميلاد عام 800 أو 801م، وأنَّ شارلمان كان منزعجًا للغاية من هذا الأمر الذي حصل من دون ترتيب. إلا أنَّ يوهانس فريد يتحدى هذه النظرية المتأتية من دواوين البلاط الفرانكي بشكل خاص ويناقش بالتفصيل هذا الادِّعاء ويفنده، مستنتجاً أن شارلمان كان هو من رتَّب الأمر مع البابا وقد أتى إلى القدَّاس بملابس ملكية رومانية. كما جرت طقوس التتويج على شاكلة الطقوس في الإمبراطورية البيزنطية، مما يدل على نيَّة مبيَّتة بالتمرد على السلطة الرومانية هناك. انظر:

Johannes Fried, Charlemagne, trans. Peter Lewis (Cambridge, Massachusetts: Harvard University Press, 2016), 373-430.

[4] في المسيحية لا يمكن اعتبار أي تعليم أو إيمان منتشر عقيدةً إلا وفق بروتوكولات خاصة أشهرها وأكثر أصالةً المجامع المسكونية. فحتى أكثر التعاليم المنتشرة ذات القاعدة الشعبية والتاريخية الموغلة في القدم لا يمكن اعتبارها "عقيدة" ما لم يبتّ بذلك صراحة مجمع مسكونيٍّ بالنسبة للشرق أو قرار أو مجمع بابوي في الغرب لاحقًا (في الشرق البيزنطي لا يوجد أي مجموع مسكوني بعد عام 787م. ويأخذ البيزنطيون والأرثوذكس عمومًا على كنيسة روما المعاصرة أنها استمرت بعقد ما أسمته مجامع مسكونية حتى بعد الانشقاق الكبير عام 1054م. الأرثوذكس ورغم اعتقادهم بأحقيتهم المطلقة ومذنوبية الغرب في الانشقاق الكبير توقفوا عن عقد أي مجامع مسكونية لعدم وجود أسقف روما والوفود الغربية، في حين استمر الغربيون بعقد المجامع المسكونية معتبرين أن الشرقيين هم انفصلوا لوحدهم ويتحمَّلون وزر ذلك بمفردهم! وعلى أية حال ومن أجل الأمانة التاريخية والابتعاد عن محاولة جعل الشرق البيزنطي يظهر بمظهر المظلوم دائماً، ينبغي أن نذكر أنّ بيزنطة وروما تابعتا عقد المجامع المسكونية رغم عدم حضور الوفود القبطية والسريانية والأرمنية للمجامع المسكونية التي تلت مجمع خلقيدونية عام 451م، وكذلك مع عدم حضور النساطرة الذين قاطعوا المجامع بعد مجمع أفسس عام 431م. ولكن الفرق هو أنَّه في الحالتين الأخيرتين كان قرار تلك الكنائس بعدم الحضور بسبب عدم موافقتها على مقررات مجمع خلقيدونية ومجمع أفسس الذي سبقه (في حالة النساطرة) أي أنهم هم من قاطعوا المجامع، وقد بُذلت الكثير من الجهود للمصالحة ولكن لم تتكلَّل في النجاح في ذلك الوقت أو في القرون القليلة التالية.

[5] Rosamond McKitteric, Charlemagne: The Formation of a European Identity (Cambridge: Cambridge University Press, 2008), 314.

[6] A. Edward Siecienski, The Filioque: History of a Doctrinal Controversy (New York: Oxford University Press, 2010), 92.

[7] Ibid., 102-3.

[8] Johan A. Meijer, A Successful Reunion Council: A Theological Analysis of the Photian Synod 0/879-80 (Thessalonike: Patriarchikon Hydrima Paterikon Meleton, 1975), in ibid., 104.

[9] Siecienski, 100-101.

[10] تشير الموسوعة البريطانية إلى أنَّ سيلفستر الثاني كان رجل علم من طراز رفيع، فقد كان مهتمًا بالفلك والهندسة، وكان لديه أسطرلاب لمراقبة النجوم. كما أنه عمل على نقل علوم العرب إلى أوروبا ومهتماً بجمع المخطوطات. للمزيد يمكن الاطلاع على الرابط التالي: Harriet Pratt Lattin, ”Sylvester II,” Encyclopaedia Britannica, updated on May 8th, 2020, accessed on June 26th, 2020. <https://www.britannica.com/biography/Sylvester-II/Pontificate>

[11] رومانيذس كان مرشح اليمين القومي المتطرف في اليونان لانتخابات عام 1977.

[12] Mark Cartwright, ”First Crusade,” Ancient History Encyclopedia, published on July 19th, 2018, accessed on June, 10th 2020: <https://www.ancient.eu/First_Crusade/>.

[13] John Julius Norwich, A History of France (New York: Atlantic Monthly Press, 2018), 51 (ePub version)

[14] ينبغي هنا لفت النظر إلى أنَّ قبل سقوط القسطنطينية واستباحتها من قبل الحملة الإفرنجية أو الصليبية الرابعة بحوالي عقدين ونيِّف هجم الغوغاء في العاصمة البيزنطية على الجالية الغربية الكاثوليكية في المدينة وأمعنوا فيها قتلاً وتشريداً. ويبدو أنَّ المحرِّك الرئيسي للمذبحة هو مكانة تلك الأقلية المتموِّلة والمتنفذة والتي تسيطر على الحياة الملاحية في المدينة، وهو ما يشبه العديد من الحوادث التاريخية الأخرى حين كانت أقلية معينة في مدينة أو دولة تثير الشبهة لسبب أو لآخر، حقيقيٍّ أو متخيَّل.

[15] John Julius Norwich, A Short History of Byzantium (New York: Vintage Books, 1999), 306.

[16] Myles Hudson, “Fall of Constantinople,” Encyclopaedia Britannica, Updated on May 22nd , 2020, accessed on June, 26th 2020. <https://www.britannica.com/event/Fall-of-Constantinople-1453>.

[17] Michael Kulikowski, “The Father of Europe,” The Wall Street Journal, Updated November 18th, 2016. Accessed Jun 29th, 2020: < https://www.wsj.com/articles/the-father-of-europe-1479506153>.

[18] Cf. Lentz Thierry, ”Napoleon and Charlemagne,” Napoleon.Org: The History Website of the Fondation Napoleon, trans. E. Da Prati, accessed on June 26th, 2020. < https://www.napoleon.org/en/history-of-the-two-empires/articles/napoleon-and-charlemagne/>

[19] يختلف تاريخ تأسيس هذه الإمبراطورية بحسب الطريقة التي يُنظَر بها إليها؛ فإمبراطورية شارلمان انقسمت بعد وفاته عام 814م. والإمبراطورية "الألمانية" ورثت جزءًا كبيرًا من هذه الإمبراطورية في حين ورث الإفرنج جزءها الغربي الذي يشكل تقريبًا ما يُعرف اليوم بفرنسا، بالإضافة إلى جزء ثالث في إيطاليا. فالإمبراطورية "الرومانية المقدسة" نشأت فعليًا مع الإمبراطور أوتو عام 962م، ولكن السلطة فيها ما تزال تُنسَب إلى إمبراطورية شارلمان المؤسسة عام 800م. وتؤكد باولوس أنَّه "عبر القرون، أصبح [شارلمان] شخصية رمزية مركزية لكلٍّ من فرنسا وألمانيا. فباستحضار شارلمان برَّر كلٌّ من الملوك والأباطرة الفرنسيون والألمان حكمهم، مؤسسين بذلك استمرارية متخيَّلة للسلطة وصولاً إلى آخر أباطرة الإمبراطورية الرومانية المقدسة، وهو فرانسيس الثاني من هابسبرغ."

Dagmar Paulus, ” From Charlemagne to Hitler: The Imperial Crown of the Holy Roman Empire and its Symbolism,” Charlemagne: A European Icon ]Website[, 4: <https://cpb-eu-w2.wpmucdn.com/blogs.bristol.ac.uk/dist/c/332/files/2016/01/Paulus-2017-From-Charlemagne-to-Hitler.pdf>

[20] Ibid., 3-4.

[21] للمزيد حول تجليات الفكرة الإسرائيلية في الولايات المتحدة يمكن الاطلاع على كتاب دونالد غِلبي أدناه الذي يؤرّخ فيه للعديد من الأفكار الروحانية في الولايات المتحدة الأمريكية. وهذا الكتاب ليس متخصصًا بنشوء الفكرة الإسرائيلية في الولايات المتحدة، وهذا مكمن قوته وفائدته في سياق هذه المقالة؛ فهذه الفكرة تظهر بشكل تلقائي ومتكرر خلال سياق الكتاب من دون أن يتم التركيز عليها بشكل مقصود أو متحيِّز.

Donald L. Gelpi, Varieties of Transcendental Experience: A Study in Constructive Postmodernism (Eugene, Oregon: Wipf & Stock Publishers, 2007).

[22] يمكن الاطلاع على لحظة التلاسن بين السيناتور كروز وأعضاء من الوفد المشرقي حول موضوع الوقوف مع إسرائيل على الرابط التالي: https://www.youtube.com/watch?v=lTDsHokjY6Y
ويظهر واضحًا أن كروز يقول "إن لم تقفوا مع إسرائيل في هذا... لن أقف معكم."

 

 

 الصفحة الأولى

Front Page

 افتتاحية

                              

منقولات روحيّة

Spiritual Traditions

 أسطورة

Mythology

 قيم خالدة

Perennial Ethics

 إضاءات

Spotlights

 إبستمولوجيا

Epistemology

 طبابة بديلة

Alternative Medicine

 إيكولوجيا عميقة

Deep Ecology

علم نفس الأعماق

Depth Psychology

اللاعنف والمقاومة

Nonviolence & Resistance

 أدب

Literature

 كتب وقراءات

Books & Readings

 فنّ

Art

 مرصد

On the Lookout

The Sycamore Center

للاتصال بنا 

الهاتف: 3312257 - 11 - 963

العنوان: ص. ب.: 5866 - دمشق/ سورية

info@maaber.50megs.com  :البريد الإلكتروني

  ساعد في التنضيد: لمى       الأخرس، لوسي خير بك، نبيل سلامة، هفال       يوسف وديمة عبّود