السمات العامة

للإنسان المثقف الحضاري

 

ندره اليازجي

 

يتألف هذا البحث من المواضيع التالية المطروحة على نحو تساؤلات:

1. ما هو مفهوم الثقافة؟

2. ما صلة الثقافة بالحضارة؟

3. ما الفرق بين الحضارة والثقافة من جهة والمدنية من جهة أخرى؟

4. ما العلاقة الخاصة بين الفرد والأمة والثقافات الأخرى المتنوعة؟

5. ما الركائز والمقومات الأساسية التي تجعل من الفرد كائناً حضارياً ومثقفاً ومن الأمة مجتمعاً حضارياً ومثقفاً؟

يمكنني أن أضيف إلى هذه المواضيع المطروحة على نحو تساؤلات، تساؤلات ثلاثة أخرى هي:

1. كيف يمكنني إقامة تأليف بين ثقافتي الخاصة والثقافات العالمية المتنوعة؟

2. ما قيمة الثقافات التي اطلعت عليها، وتفهَّمتها وزرعتها في كياني إن هي حافظت على انفصالها دون اتصالها، وظلت مصدر صراع داخلي وتجزئة في شخصيتي؟

3. هل أستطيع أن أكون عالمي النزعة الثقافية والحضارية، وأوحّد فروع المعرفة في داخلي إن كنت عاجزاً عن إقامة تأليف بينها يجعلها تتكامل، أو تنسجم أو تتحد لتنشئ مني شخصية متوازنة، محبة وواعية.

 

يبدو لي أن الوحدة التي نعزوها إلى وحدة الفكر الإنساني المتنوع في تعدُّدات معرفته وثقافته تكمن في الاتّصالية التي نُحدثها بين التنوُّعات العديدة، وفي التأليف الذي ننشئه بينها. ويبدو لي أيضاً أن اندحار وحدة الفكر الإنساني ينتج من عدم القدرة على التوفيق بين التنوع الثقافي القائم، الأمر الذي يؤدي إلى الصراع والنزاع، وإلى التناحر الحضاري والاحتضار الفكري.

يجدر بي، قبل الإجابة عن هذه التساؤلات الموضحة، أن أحاول سبر العمق المتضمن في كلمة "الثقافة".

في هذا السياق، ترتبط كلمة الثقافة ارتباطاً معنوياً بكلمة الحضارة، والحضارة، في هذا السياق ذاته، مفهوم يتجاوز، في مضمونه وجوهره، مفهوم المدنية. وإذا كنا نسعى إلى إحداث تمييز بين المفهومين، قلنا:

-            الحضارة تقدم وازدهار نفسي، ورقي فكري وإنساني.

-            المدنية تقدم تقني ومادي.

في سبيل توضيح التمييز الظاهري بين المفهومين، نعمد إلى تقديم المثال التالي:

كان كل من فيثاغوراس وابن سينا متحضراً ولم يكن متمدناً. وعلى الرغم من أن كلاً منهما لم يسافر في القطار الكهربائي الحديث، ولم يستقل الطائرة في تنقُّلاته، لكنه كان متحضراً ومثقفاً. وإن كنت، أنا من أحيا في نهايات القرن العشرين، أعتقد بأنني أتميز بما تقدمه لي التقنية الحديثة من وسائل وأدوات وأجهزة، لكني لا أضع نفسي في المستوى الحضاري والثقافي الذي تسنّم فيه فيثاغوراس أو ابن سينا درجة عليا. فقد يكون أحدهما أكثر حضارة وثقافة مني، وأكون أكثر مدنية منه. أما إذا توافقت الحضارة والمدنية في تناغم وانسجام، أو في تكامل ضمني، دلّ الأمر على رقي الكائن البشري. هذا لأن المدنية، في هذه الحالة، تتقدم في وفاق مع قيم الحضارة والثقافة. والحق أن طغيان المدنية التقني ونزعتها إلى الإفلات من توجيه الحضارة وإرشادها، حالة تشير إلى خلل في التوازن وإلى اندحار الثقافة الإنسانية وسيطرة العقل التقني وحده.

عندما نتأمل ماضي البشرية وحاضرها، نعاين ثقافات عديدة تُعَدُّ روافد تصب في نهر الثقافة الإنسانية الواحدة. والحق أن الأمم، قديمها وحديثها، زوّدت، ومازالت تزود، هذه الثقافة الإنسانية الواحدة بما تقدمه أو بما قدمته من حضارة تمثلت بعلمها ومعرفتها. وتمثل الثقافات والحضارات العديدة باقة من الزهور أو الورود المتنوعة التي يتألق جمالها في انسجام تنوعها.

عندما نتعمق في دراسة الحضارة، نجد أن الروح الإنسانية، عبر تنوُّعاتها الثقافية، تعبّر عن حقيقتها الواحدة في التنوع. لذا، تمثل كل حضارة أو ثقافة مشعلاً ينير السبيل الذي اتخذته تلك الحضارة أو الثقافة وهي تسعى إلى تحقيق المثال الكامن أو المتضمن في جوهرها، المثال الذي يشير إلى وحدة الإنسانية عبر التيارات العديدة للروح الإنسانية في التاريخ العام والخاص.

أتساءل: كيف أتصور الإنسان الحضاري أو الأمة الحضارية؟

الأمة التي تحمل مشعل حضارتها، وتضيء شعلة الوحدة الإنسانية، وتجعلها مزية خاصة بها هي أمة حضارية وثقافية. الأمة التي تجعل من ذاتها رافداً لنهر الحضارة الإنسانية هي أمة تتميز بالثقافة والوعي. الأمة التي تدرك الدور الذي تقوم به في نطاق الإنسانية هي أمة حضارية. الأمة التي تعلم أنها ناقلة أو حاملة لمثال إنساني واحد، عبر خصوصيتها، وتدرك أن عظمتها تكمن في تحقيق دورها الحضاري والثقافي ونقله، كتراث عام، إلى أمة أو أمم أخرى، هي أمة حضارية. الأمة التي تدرك أن الاحتفاظ بالمشعل الحضاري والثقافي لذاتها تصرّف يؤدي إلى انطفاء المشعل المضيء وسيادة الظلام هي أمة حضارية. الأمة التي تضيف إلى ألق مشعلها إضاءات المشاعل السابقة، أو تضيف ألقاً جديداً إلى هذا المشعل هي أمة حضارية... إنها أمة تسعى إلى تحقيق ثقافتها الفردية الخاصة من خلال مشاعل أو روافد الثقافة الإنسانية الواحدة التي تتلألأ بالمشاعل المضيئة، وتحمل إرثاً إنسانياً واحداً. وإن ما ينطبق على الأمة ينطبق أيضاً على الفرد، وذلك لأن الفرد يستقي من مناهل ومصادر وأصول ثقافة أمته التي تحمل مشعل الحضارة أو الحضارات الإنسانية الغابرة.

يمكنني أن أقول: إن كل حضارة أو ثقافة تمثل نقطة تنطلق منها مكوِّناتها، أو سماتها ومقوِّماتها، وتتجه إلى دائرة هي ملتقى هذه المقومات والمعالم، تماماً كما تتجه ألوان قوس قزح رجوعاً إلى الموشور لتلتقي في النور الصافي الذي يوحِّد الألوان في حقيقة واحدة لا لون لها. وتمثل كل حضارة أو ثقافة شعاعاً أو لوناً ينطلق من موضعه ليتحد مع الإشعاعات الأخرى المنطلقة من مراكز أخرى في وحدة فكرية شاملة.

أستطيع أن أشبِّه المثال الإنساني الواحد والتنوع الثقافي الحضاري بالمحيط الذي تتبخّر مياهه لتسقط أمطاراً على اليابسة وتشكل الأنهار العديدة، الصغيرة والكبيرة. وعندما تتشكل الأنهار، تحمل أسماء، وتُعرف بمقاديرها وأحجامها وحدودها. ولسوف تفقد أسماءها ومقاديرها وحدودها في اللحظة التي تصب في المحيط... إنها انطلقت من المحيط، وشكَّلت وجوداً مستقلاً وخاصاً بها، وحملت تراثها، وعادت إلى المحيط الواحد.

أتساءل أيضاً: كيف أؤكد أن الثقافات، بألوانها كلها تعبيرات عن ثقافة إنسانية واحدة؟ وكيف تكون معالم الفكر المتنوعة ترجمة لثقافة إنسانية واحدة؟ كيف يكون الإنسان مثقفاً ومتحضراً؟

 

أولاً - العقل العام المشترك:

يمكنني أن أتحدث عن وجود عقل عام هو شعور إنساني وإحساس كلّي مشترك، أو عقل مشترك. والحق أن جميع الناس يشتركون بهذا العقل العام الشامل: جميع الناس يشعرون؛ جميع الناس يحسّون؛ جميع الناس يهتمّون؛ جميع الناس ينتبهون؛ جميع الناس يتخيلون ويتصورون؛ جميع الناس يتميزون بالذكاء على نحو ما؛ جميع الناس يتذكرون؛ جميع الناس يتداعون؛ جميع الناس يبدعون؛ جميع الناس يفكرون ويعقلون؛ جميع الناس يشتركون بقوانين ومبادئ طبيعية واحدة.

يشير هذا الاعتراف النظري بالعقل العام المشترك بين الناس إلى إسهام البشرية قاطبة بمعطيات واحدة؛ ويشير الاعتراف الواقعي العام والمشترك إلى أنواع التفكير الحاصلة عنه. وإذا كانت حقيقة الواقع تؤكد وجود قاسم مشترك بين عقول أبناء البشر، أدعوه العقل العام المشترك، فإن هذه الحقيقة ذاتها تؤكد تنوُّعات التعبير الفكري والشعوري والثقافي والحضاري لهذا العقل المشترك الذي يمثل الخلفية التي تنطبع عليها.

 

ثانياً - وحدة القياس الإنساني:

لما كان العقل الإنساني الواعي يسعى إلى إقامة وحدة قياس عامة يستخلصها من التنوُّعات الثقافية، ليتجنب فوضى التعميم، فإنه يبغي الوصول إلى قانون واحد، جامع، أو قاعدة مشتركة، أو خلفية واحدة تتوطد عليها ظاهرات وحدة الفكر الإنساني. لذا، يتجه هذا العقل الواعي إلى دراسة الإنسان ذاته الذي يعد القياس الأساسي والوحيد لكل شيء، أو المعيار الجوهري للوحدة الإنسانية. إذ يدرس الإنسان الواحد، يدرك وحدة القياس البشري، ويتأكد من وجود معيار واحد لجميع البشر هو وحدة العقل، ووحدة النفس، ووحدة التكوين الجسدي إنه يدرك وجود الإنسان الواحد في جوهره المتنوع في وسائل تعبيره.

 

ثالثاً - العقل الانتقائي أو التلفيقي:

يتميز العقل الانتقائي بأنه عقل تكاملي، تأليفي وتوحيدي؛ ويسعى هذا العقل إلى وحدة التقييم والمعايرة: إنه عقل يؤلِّف أو يوحِّد التيارات العديدة في ذاته ليشاهد هذه الحقيقة الواحدة في وقائعها الكثيرة، والإنسان الواحد في أنواعه، والإنسانية الواحدة في تنوُّعاتها البشرية. والحق يقال إن العقل الانتقائي لا يجد خلاصاً للعالم في ثقافة واحدة خاصة، أو في حضارة واحدة، أو في عقيدة واحدة تدَّعي امتلاك الحقيقة المطلقة.

يشبَّه العقل الانتقائي بحديقة واسعة تُزرع فيها زهور وورود العالم كلها. وفي هذه الحديقة، تجتمع تنوُّعات الأزهار والورود وتُبقي هذه الحديقة على وجود فُسحة قابلة لاحتواء نوع جديد من الأزهار أو الورود يُضاف إلى التنوُّعات المتوافرة. وتُفصح هذه الحديقة الشاملة عن حقيقة هي أن جمال التنوع أكثر روعة وبهاء من جمال التفرُّد. وهكذا، يعتمد العقل الانتقائي المثقَّف، في جوهره، على أساسين:

أولهما – هو أن الحقيقة الإنسانية الشاملة أو الكلية ليست حكراً لمبدأ واحد، أو عقيدة واحدة أو حضارة أو ثقافة واحدة أو شعب واحد.

ثانيهما – هو أن الفكر أو الثقافة المؤلفة من أنواع الأفكار والثقافات المنتقاة، والمكوَّنة من تنوُّعات التجربة الإنسانية وخبرتها، تتلألأ بجمال رائع أخاذ وبهاء خلاّب.

يتأمل العقل الانتقائي مبادئ العالم كلها، بتياراتها الفكرية والثقافية العديدة، فيختار منها، بوعي عميق وغير متحيِّز، ذلك المبدأ الذي ينسجم مع جوهره الكلِّي وقاعدته الشمولية، ويؤلف مما يجمعه باقة فكرية وثقافية متنوعة تزهو بجمالها وروعتها. وهكذا، يُطِلُّ العقل الانتقائي على جميع التيارات الثقافية، يدرسها بوعي عميق ومنفتح، وينتقي، ويؤلف ويوحِّد. ومع ذلك، يحتفظ العقل الانتقائي بكيانه المبدئي، ووجوده الثقافي الخاص الذي لا يتناقض، إلاّ ظاهرياً، مع الوجودات الثقافية الأخرى.

 

رابعاً - العقل المنفتح:

يّعَدُّ العقل المنفتح عقلاً حضارياً وثقافياً وانتقائياً وتأليفياً، يتميز بصفة التحمُّل. وبكلمة التحمُّل، أقصد ذلك الموقف العقلي الواعي إزاء التيارات الفكرية والثقافية الأخرى. وهكذا، يُعَدُّ العقل المنفتح عقلاً يتميز بصفة البحث عن الحقيقة في كل شيء وكل ظاهرة. والحق أن هذا البحث عن الحقيقة المختبئة في جوهر الأشياء والمبادئ تكسبه صفة الانتقاء التي تُمِدُّه بالقدرة على رؤية حقيقته في الحقائق الأخرى أو في بعض مضامينها. إنه عقل غير مشروط بفردية ذاتية، أو بخلفية جامدة وصلبة... إنه عقل شمولي، محب وباحث.

هكذا يتعايش العقل المنفتح، فرداً كان أم جماعة، مع العقول الأخرى التي تحظى بحقيقة أو بنسبة فيها، وتُعتبر مشاعل تضئ طريق البشرية. وعندما يتأمل هذا العقل المنفتح مواطن الجمال في المبادئ الأخرى، أو أنواع التعبيرات الفكرية والثقافية، يجد أنها تشير إلى الحقيقة وذلك لأنها إشعاعات أو سُبُل تؤدي، في نهاية المطاف، إلى دائرة الحياة الجامعة والشاملة.

 

خامساً - تمثُّل الماضي على نحو عرفان وحكمة:

يتجه المجتمع الحضاري والثقافي الذي يسعى إلى الخلاص من قيوده أو معوِّقاته وإلى تجاوز إشراطاته إلى ماضيه ليستشف منه الحكمة والعرفان وحدهما. ويشير هذا الاتجاه إلى دراسة الماضي بدقة وإلى تفهُّم الأسرار العميقة القائمة فيه، وذلك لكي يتسامى على كل ما هو سطحي وعادي. ولما كنا نسعى إلى إدراك المغزى الثقافي والحضاري والعلمي والروحي القائم في الماضي فإنما لنرى العرفان الذي بلغه الأسلاف، وبنوا حضارتهم على أساسه. وهكذا، لا يحتجز المجتمع الحضاري ذاته في قوقعة الماضي وإشراطاته التي لا تقبل التطور والنمو والتقدم.

 

سادساً - تجاوز الماضي المشروط :

تحدثت في الفقرة السابقة عن العودة إلى الماضي. ويمكننا أن نشبه هذه العودة إلى الماضي الاجتماعي الغابر بالنظرة التأمُّلية الفاحصة التي يلقيها الإنسان على نفسه هادفاً إلى تجاوز الأخطاء التي اقترفها سابقاً، وساعياً إلى إعادة تقييم كيانه. وهكذا، يعود العقل المنفتح إلى الماضي لكي يتجاوزه، بعد أن يكون قد انعتق من إشراطاته، واكتشف مقوِّمات حكمته وعرفانه.

 

سابعاً - إعادة النظر في الطروحات الفكرية السابقة:

تتحقق إعادة النظر، كما يتحقق التقييم الجديد من خلال عقل مكوِّن ومنفتح. فالعقل المكوِّن يعدِّل العقل المكوَّن الذي نشأت عليه الجماعة أو الفرد. وكما أن العقل المكوِّن الفردي يعدِّل من جديد ما دخل في صميم العقل المكوَّن من إشراطات وانفعالات، كذلك يعيد العقل المكوِّن إنشاء العقل الجماعي المكوَّن الذي أسس قاعدته على مغالطات الماضي. وفي الوقت ذاته، يعدِّل العقل المنفتح الانغلاق الناتج عن العقل المكوَّن، بحيث إن اللاوعي التجمُّعي المتراكم يخضع لمحاكمة جديدة تنأى عن الانفعال. ولا يتوقف العقل المنفتح عند هذا الحد، بل يتجاوز عملية تعديل الماضي وإجراء محاكمة جديدة إلى اقتباس التجارب والخبرات الإنسانية الأخرى التي استفادت منها الشعوب الأخرى والأفراد الآخرون، وذلك من أجل الدخول إلى نطاق العالمية والشمول. ومع ذلك، لا يتخلّى العقل المنفتح عن الشخصية التي كوَّنها العقل المكوِّن خلال العصور الماضية. وبالإضافة إلى ذلك، يواظب العقل المنفتح على إحياء عملية التعديل لكي يحقق شمول كيانه. وعندئذ يمكننا أن نقول: إن العقل المكوِّن هو عقل منفتح، يستطيع أن يعيد النظر في أكثر الثوابت الفكرية والعقائدية التي تبنّاها العقل المكوَّن.

 

ثامناً - تقويم التاريخ العام:

يشير مصطلح التقويم العام إلى الروايات المنقولة التي تتحدث عن الماضي، وإلى الأحداث والمعلومات التي تتلقاها الأجيال الناشئة، وتتأثر بما جاء فيها. ولا نبالغ إذا قلنا بأن تلك المعلومات تصير عقلاً مكوَّناً أو وقائع ثابتة يصعب أن تقبل الاعتراض عليها أو التعديل. ولما كنا نتبنى مبدأ التعديل فإن الجماعة تسعى، أو الفرد يسعى، إلى تقويم أحداث التاريخ العام التي تخلَّلتها الأخطاء، ودُوِّنت على نحو انفعالي. وإذا كانت وقائع التاريخ العام قد دُوِّنت، في غالبيتها، وفق رغبات وانفعالات فئة معينة، فلابد أن تكون مشحونة بأخطاء عديدة وانحرافات كثيرة. وفي هذا النطاق، نرى من واجبنا أن نميز بين التاريخ المعلَن الذي يسرد روايات ويروي أحداثاً قد تكون خاطئة أو مغلوطة، وبين التاريخ الذي دوَّنت أحداثه فئة أرادت أن تتحدث عن الحقيقة في جوهرها، فظل تاريخاً غير معلَن، لا يسبر عمقه إلا أهل العرفان والحكمة. والحق إن الإنسان المثقف الذي يتعمق في دراسة التاريخ العام يدعو إلى كتابته من جديد بعقلانية مكوِّنة ومنفتحة.

 

تاسعاً - تنشيط الطاقة:

يتمثل تنشيط الطاقة، أو فاعلية الطاقة، بدأب متواصل لإطلاقها من غلافات وإشراطات المجتمع القديم. وهكذا، تقف فعالية الطاقة الإنسانية مقابل عطالة الجبرية، بحيث تكون هذه الفعالية حرية تهدف إلى المزيد من الوعي والشمول ومسؤولية نشاهد من خلالها أخطاءنا. وإن اختزال هذه الفعالية إلى مفهوم جبري قضية تعني بقاء الطاقة ساكنة لا تحقق ديناميّة حركتها ووجودها الذاتي. والحق، إن تنشيط الطاقة مفهوم يشير إلى ديناميّة داخلية لا تستمد حركتها المتنامية من خارجها فقط. وعلى غير ذلك، تتطلع الجبرية التي تنزع إلى حتمية صارمة إلى حركة تأتيها من محرِّك خارجي. وهكذا، يرى المثقف تطور المجتمع أو الفرد في ديناميّته الكامنة في طاقة قادرة على تنشيط ذاتها من خلال حركة ذاتية داخلية.

 

عاشراً - فلسفة الحضارة والثقافة:

يتركز مفهوم الحضارة والثقافة في الطاقة البشرية الفاعلة، وفي تنشيط دائم ومثابر للقدرة العقلية والنفسية. ولئن كانت الحضارة تعتمد، في     ، على معطيات الطبيعة والبيئة من ماء ومناخ وأرض زراعية خصبة، لكن العنصر البشري "المتحدي"، وفق ما يذكر توينبي، هو العنصر الفاعل في مضمار التقدم والازدهار. والحق، إن العنصر البشري يشتمل على ما هو أبعد من المقوِّمات المادية أو الطبيعة المذكورة: إنه يشتمل على العقل المكوِّن والعقل المنفتح والفعالية الناشطة التي "تتحدى" عناصر وجودها. وبالفعل، تنحسر الحضارة في الوقت الذي ينحسر العنصر البشري والفعالية الناشطة. وعلى هذا الأساس، لا يتميز العقل السلفي، أو العقل المكوَّن، وفق معطيات التاريخ الماضي المبلَّغة، بحضارة وثقافة.

 

حادي عشر - الثقافة والدولة:

لما كانت الدولة الصورة المثلى للمجتمع، فإنها تحتوي، في ذاتها، جميع الفعاليات والإمكانات. وتأبى هذه الفعاليات تنشيط ذاتها في ظل الفردية. وفي هذا الوضع، يعجز المجتمع عن تمثُّل ذاته في دولة أو حضور ثقافته في إطار جامع وشامل. وعلاوة على ذلك، يعجز المجتمع عن تشكيل دولة في ظل تاريخ لم يعبّر عن وجود مفهوم الدولة، وهي النطاق الذي يتحول فيه العمل الفردي إلى نفع اجتماعي. إذن، فالفرد أو المجتمع الذي لا يرسم لذاته صورة ثقافية وحضارية ضمن إطار الدولة، هو مجتمع ينتمي إلى تقاليد عنصرية أو عرقية، أو مذهبية، أو قبلية، أو عشائرية، أو عائلية، أو طبقية، وإلى أعراف وطقوس تنأى به عن حقل الثقافة والحضارة. وفي هذه الحالة، يعجز عن تكوين الدولة وهو مازال عالقاً بشبكة فرديته التي ترتسم على صفحة الانتماء إلى الطقوس التي تسلب مفهوم الحضارة والثقافة حقيقته.

تلكم هي العناصر الأساسية التي تساعد على تكوين الإنسان المثقف والحضاري... الإنسان الذي يضمِّن مدنيته في ثقافة وحضارة.

 

اثنا عشر - الفرق بين المتعلم-الجاهل والمتعلم المثقف:

منذ أكثر من خمسة وثلاثين عاماً قرأت مقالة انضوت مضامينها تحت عنوان "جهل المتعلّم". وقد أفادتني تلك المقالة في معرفة أن الجهل يرافق المتعلِّم الذي لم يجعل من علمه ثقافة تتمثل في رقي حضاري وإنساني، وأبقى علمه هذا متحجراً في قوقعة الأنا المتملِّكة، غير المسؤولة، التي تسعى إلى مصلحتها الذاتية، وتقوِّم كل شيء آخر بمقياس محدوديّتها التي تركِّزها في مهنتها. في تلك المقالة، لم أجد ما يشير إلى جهل المثقف، أو إلى جهل المتعلِّم المثقف. وقد دفعتني قراءة تلك المقالة إلى استهلال البحث عن الفرق أو الاختلاف القائم بين الإنسان المتعلِّم لمجرد التعلُّم وبروز الأنا المغلقة والإنسان المتعلِّم والمثقف لمجرد المعرفة والوعي والحكمة.

أدركت أن الفرق أو الاختلاف بين المتعلِّم-الجاهل والمتعلِّم-المثقف، الواعي، الباحث عن حقيقة نفسه ومعنى وجوده، قائم في الاختلاف الناشئ بين الإنسان الناجح والإنسان العظيم. علمت أن "السبب" الذي يدفع الإنسان إلى التعلُّم يؤدي إلى النجاح، وأن "الغاية" التي تدعو الإنسان إلى التعلُّم تؤدي به إلى العظمة الكامنة في المعرفة والوعي.

استطعت أن أميز بين الإنسان المتعلِّم وبين الإنسان المثقف في الإجابة اللازمة عن سؤال هام هو: لماذا نتعلَّم؟

تشير الإجابة إلى التمييز الدقيق بين السببية والغائية. فإذا كان النجاح ناتجاً عن السبب الدافع إلى التعلُّم، كان الإنسان متعلِّماً يحصر علمه في نطاق مصلحته الخاصة دون أن يهتم بمصلحة الآخرين، أو بنفعهم وخيرهم، ودون أن ينظر إلى وضعهم الاجتماعي أو يقدِّر إنسانيتهم، أو معرفتهم أو وجودهم. هذا، لأن جميع الناس، وجميع الأشياء، في رأيه، قد وُجِدوا ليدوروا في فلك علمه ونجاحه إنه إنسان يأخذ أكثر مما يعطي. وإذا كان الوعي أو الحكمة أو العظمة تمثِّل الغاية التي يهدف إليها الإنسان من التعلُّم، بحيث إنه لا يجعل من علمه سبباً للنجاح بل دعوة لتحقيق غاية سامية، وخدمة الإنسانية، وشعور حقيقي بالوجود، أو بناء شخصية متماسكة ومتكاملة، ندرك أنه كائن عارف يمد أبعاده إلى جميع الناس، ويحترم مشاعرهم، ويعتبر أوضاعهم المهنية والاجتماعية، ويتعمق في مضمون المعارف كلها، عندئذ ندرك أنه كائن متعلِّم ومثقف وحضاري إنه إنسان يعطي أكثر مما يأخذ.

لم أجد في تلك المقالة ما يشير إلى "جهل المثقف" أو إلى جهل المثقف في عمله. هذا، لأن الإنسان العظيم، الواعي، يجعل من علمه ثقافة تستند إليها الحضارة. إنه، بالإضافة إلى علمه الخاص، المتحوِّل إلى مهنة، يهتم بالعلوم الأخرى، وبالاتجاهات الفكرية الأخرى، وبالمفاهيم الإنسانية الأخرى، ويعتبرها ويسعى إلى فهمها، ولو على نحو نسبي، ويمتد بثقافة علمه ومهنته إلى ثقافة علوم الآخرين ومهنهم. وعلى غير ذلك، وجدت في تلك المقالة ما يشير إلى جهل المتعلِّم الذي يقلِّص نفسه إلى محدوديّة علمه الخاص. ويكمن جهل هذا المتعلم في ادعائه بعلمه الذي حرفه إلى مهنة، وفي افتخاره بجهل معلومات ومعارف أخرى لا ترقى إلى مستواه العلمي، ويزعم أنها لا تمتّ إلى علمه أو مهنته بصلة. فقد يكون طبيباً، أو غير ذلك، يجهل الكثير عن الموسيقى الراقية أو الفن الرائع، أو يأبى أن يتخذ أصدقاء له إلا ممن كانوا من نوعه أو مستوى علمه أو نوعيته. ويُحتمَل أن لا يعبأ المتعلِّم-الجاهل بأمور مجتمعه، وذلك لأنه يلوِّن جميع الأشياء بلون علمه ومهنته؛ ويُحتمَل ألا يعرف سوى القليل عن محيطه وبيئته وجيرانه الذين يشاركونه السكن في البناء الذي يقطنه؛ ويُحتمَل أن يجهل، أو لا يعرف سوى القليل، عن لوحة فنية دفع ثمنها غالياً وعلّقها في صدر منزله؛ ويُحتمَل أن يملأ مكتبة منزله بالكتب الفخمة والموسوعات المتقنة، بينما يجهل مضمونها، أو يعلم القليل القليل عن بعض المواضيع. هذا، لأنه لم يطّلع على أية معلومة فيها، ولم يسع إلى العمق في المعلومة، فظل علمه بها على السطح إنه جاهل بما يضيفه إلى ذاته يفتخر بما يملك، ويجهل ما يمتلك إنه جاهل-متعلِّم، وليس متعلِّماً-مثقفاً.

في دراسة وضعها برنارد شو لتكون دليلاً اجتماعياً وفكرياً وإنسانياً للمرأة الذكية، أدركت أن برنارد شو سعى إلى أن يجعل من المرأة الذكية امرأة مثقفة. فهو يرى أن المرأة الذكية هي تلك التي تهتم، بالإضافة إلى عالمها المنزلي وعملها المهني وأنوثتها الجميلة، بالأمور الاجتماعية، وتتفهم العوامل التي تؤدي إلى تحسين المجتمع وتطويره. إنها امرأة مشاركة بقضايا مجتمعها وحقيقة إنسانيتها. ومثل هذه المرأة الذكية-المثقفة تعلم أنه لا يليق بها أن تجهل ما يجري في المجتمع وفي العالم من أحداث اقتصادية واجتماعية وفكرية وفنية وإنسانية. هذه المرأة الذكية المثقفة تتجاوز معرفتها بجميع أو بمعظم أنواع العطور وأدوات الزينة، إلى معرفة القضايا الإنسانية.

هكذا، نرى كيف يكون الإنسان، رجلاً كان أم امرأة، مثقفاً وحضارياً يتميز بموقف مشارك، كلِّي وشامل، بالأمور والقضايا التي تحيط به، وبسلوك إنساني أصيل إزاء جميع الناس، باختلاف أنواعهم وأعمالهم، وبتفهُّم واعٍ للمعنى المتضمن والمغزى الكامن في ثقافة علمه وعمله، وبإدراك يشير إلى تجرد علمه من ذاته الفردية فقط، وانتماء ثقافة علمه إلى الجماعة الإنسانية المتمثلة بالمجتمع وبالبشرية على حد سواء.

 

 الصفحة الأولى

Front Page

 افتتاحية

                              

منقولات روحيّة

Spiritual Traditions

 أسطورة

Mythology

 قيم خالدة

Perennial Ethics

 ٍإضاءات

Spotlights

 إبستمولوجيا

Epistemology

 طبابة بديلة

Alternative Medicine

 إيكولوجيا عميقة

Deep Ecology

علم نفس الأعماق

Depth Psychology

اللاعنف والمقاومة

Nonviolence & Resistance

 أدب

Literature

 كتب وقراءات

Books & Readings

 فنّ

Art

 مرصد

On the Lookout

The Sycamore Center

للاتصال بنا 

الهاتف: 3312257 - 11 - 963

العنوان: ص. ب.: 5866 - دمشق/ سورية

maaber@scs-net.org  :البريد الإلكتروني

  ساعد في التنضيد: لمى       الأخرس، لوسي خير بك، نبيل سلامة، هفال       يوسف وديمة عبّود